الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 عندما يتأمل المرء ويتمعن فيما آلت إليه أحوال أمة العرب وفي بون الهوة التي تفصل بيننا وبين اسرائيل يكتئب ويحزن. فقد تفوقت عدوتنا الأزلية علينا على جميع الأصعدة عسكريا واستخباراتياً وصناعياً وعلمياً وسياسيا وتمكنت في الوقت الذي كنا فيه نائمين من بلوغ أقصى درجات الدلال في قلب أمها وحليفتها الاستراتيجية بينما لم يعد لنا نحن العرب أية حظوة او دلال عليها. بيد أن ما قد نجد فيه شيئا من العزاء والمواساة هو اننا كعرب متفوقون في مجال واحد فقط لن يتمكن بنو صهيون من مجاراتنا فيه حتى وان حاولوا، وهو.. المغنى والرقص! فأمتنا والحمد لله ولادة وليس هناك من هو أشطر منا في تفريخ أهل المغنى والرقص. فمجلاتنا الفنية لا تخلو من اكتشاف فني جديد يطل علينا بشكل اسبوعي ان لم يكن يومياً، وحمى الغناء والرقص تسري في اوصال الفتيات اليوم بشكل غير طبيعي والتي لم يسلم منها حتى مذيعات التلفزيون وملكات الجمال فالكل يريد ان يفرض صوته المبحوح علينا مهما كان الثمن. ومن يلومهن مادام السبيل إلى ذلك بات ميسراً ولا يتطلب موهبة حقيقية بقدر ما يستلزم امتلاك «براطم» محقونة او بالاحرى شفاه منفوخة خلقة أو بحقنة. والغريب انه في الوقت الذي تواجه فيه امتنا اوقاتا عصيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، لم نسمع عن ان احدا من فنانينا الذين يتوالدون اليوم بمعدلات مقلقة، سجل موقفا مثلاً بالغاء حفل فني او مقاطعة مهرجان غنائي او أن آخر خرج علينا ليعلن عن «اعتزال الشجعان» احتجاجا على الوضع الراهن الرديء الذي تمر به امتنا. فالكل شغال دونما احساس باحباط او يأس أو تأنيب ضمير وعجلة المغنى والرقص تدور والانتاج الغنائي والفني غزير اللهم لا حسد. ومطرباتنا لم تفقدهن الاجواء الملبدة التي نعيشها اليوم شهيتهن للعمل، فبعد ان اثبتن جدارتهن في الغناء بجميع اللهجات واللغات تفرغن الآن للتباري في الرقص. والموجة الجديدة الدارجة في عالم الفيديو كليبات الآن هو الاستغناء عن خدمات فرق الرقص وايكال هذه المهمة للمغنية نفسها فهي تغني وترقص ولا تمانع في ان تتعرى او تتحول إلى أراجوز ان طلب منها ذلك. ومن عالم الغناء الراقص إلى عالم الرقص التثقيفي، فقد تفتق ذهن راقصة شهيرة، من ذوات البراطم المنتفخة ايضاً، عن برنامج تلفزيوني من ثلاثين حلقة تنوي من خلاله تعريف المشاهدين بنماذج من كل جيل من اجيال الراقصات المصريات ابتداءً من مصابني ومرورا بكاريوكا إلى ان تصل بنا في هذه الرحلة التثقيفية إلى الجيل الموجود حالياً على الساحة. وهي تتعهد بالكشف في هذا البرنامج عن اسرار جديدة مثيرة لم تذع من قبل عن مشوار هؤلاء مصحوبة برؤية وتحليل فني لاسلوب كل راقصة ومدرستها الخاصة في الاستعراض. هذا البرنامج «الكنز» الذي سيثري مكتبات تاريخ الفنون ستتحفنا به احدى الفضائيات في شهر رمضان لان الاستعراض والرقص بات قدرنا في الشهر الفضيل الذي قلبه معدو البرامج ومشتروها في محطات التلفزيون من شهر للتعبد والابتهال إلى موسم للهز والابتذال. وحري بنا ان نحيي قبل الختام صمود ذلك المغني شديد الاعتزاز بعروبته والذي صنف نفسه في حديث اذاعي بأنه المعبر الوحيد عن الامة العربية فأغنيته الاولى التي اطلقته إلى عالم الشهرة شدا فيها بعروبته التي تستوجب ان تخشاه بسببها محبوبته ذات الملامح التايلاندية وها هو في اغنيته الاخيرة على نفس موقفه اذا لا يزال فخورا جدا ليس فقط بعروبته هو بل بعروبة امرأته، وعروبة ام ابيها ايضاً كما تقول كلمات الاغنية. كل ذلك رغم تسريحة «البوب كورن» العجيبة التي تعتلي رأسه، والوشم الذي يزين رقبته على غرار نجوم اغنيات البوب الغربية. هذا المغني الذي يتناقض اسمه الافرنجي ومظهره الاكثر «تفرنجا» مع ما يتغنى به، ترى هل نجح فعلا في رفع معنوياتنا المتدهورة في هذا الزمن الذي بتنا نخجل فيه من التصريح بعروبتنا؟