الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 للمرة الثانية خلال هذا الشهر تعلن دائرة الصحة والخدمات الطبية عن اتخاذ تدابير واجراءات احترازية تحول دون وقوع اخطاء طبية تمس صحة المرضى وتودي بحياتهم. الاجراء الاحترازي هذه المرة يأتي اثر مأساة وفاة طفل رضيع اعطي كحول «الاثيلين» بدلاً من محلول «الجلوكوز» عبر الوريد فدخل في غيبوبة نتيجة ارتفاع نسبة الكحول في الدم فشلت معها كل محاولات الدائرة لانقاذ حياة الطفل. ولاشك في ان المأساة كبيرة والمحنة التي حلت بالاسرة المواطنة التي نسأل الله أن يعينها على اجتيازها هي بالطبع ليست عادية. لكن ما لفت الانتباه هو الشفافية العالية التي تعاملت بها دائرة الصحة والخدمات الطبية مع الخطأ الذي ارتكبته احدى الممرضات العاملة لديها، سواء كان في تعاملها مع والد الطفل المكلوم او حتى مع الصحافة. صحيح ان المؤتمر الصحفي جاء متأخراً بعض الشيء سبقه خبر ورد في صحيفة محلية انجليزية يوم الجمعة الماضي الا ان تسارع الدائرة إلى الاعلان عن الخطأ الطبي الذي وقع في احد مستشفياتها وتحمل المسئولية كاملة امام الرأي العام والسلطات الاخرى والتحلي بصراحة متناهية وسعة الصدر ورحابته في تقبل اي نقد يوجه اليها، كل ذلك يشعرنا بأن الرغبة في تحسين الخدمات وتقديم الافضل كبيرة والسعي نحو الكمال انما هو حق مشروع لكل من يصبو اليه. نحن امام حالة يعترف فيها المقصر بأوجه القصور في ادائه ويقر بالخطأ، واللجنة التي تم تشكيلها ليس لدرء الخطأ او الالتفاف عليه بهدف حماية المخطيء وخلاصه من المشكلة كاخراج الشعرة من العجين، بل لحفظ حق من أُخطيء في حقهم ومعاقبة الجاني او المقصر وهو امر لا يحدث عندنا كثيراً ـ مع الأسف ـ فالمتعارف عليه في معظم الاحوال التي تقع فيها اخطاء طبية او اهمال في الاداء أودى بحياة مريض او مس بسلامته، تشكيل لجان يكون كل همها سمعة المستشفى والمنطقة الطبية التي يتبعها ومن بعدها الوزارة. اما حق المجني عليه فلا يأتي ضمن اولويات تلك اللجان فكم من مريض راح ضحية للاهمال وكم من مريض يقاسي الاخطاء الطبية دون ان يطالبهم القانون او المساءلة ليس لأن من اخطأوا في حقهم ابرياء ولكن لعدم قدرتهم على اثبات الخطأ وتمكينهم من نيل حقوقهم، لان الجاني والجلاد يقفان في الصف ذاته. كلام ليس فيه اي مبالغة ولو كانت جدران غرف المستشفيات في بلادنا تنطق لقالت الكثير وكشفت المستور الذي تشيب لسماعه الرؤوس.