السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 من المأساة ان تضحك بملء شدقيك وتتندر بالزمان الذي اصبحت فيه الحرب مشروعاً، كأي مشروع اقتصادي، يدرس، يرتب بهدوء، يعد له، وحتى يحدث هذا كله فأنت بحاجة الى باحثين ودارسين، مخططين كالعادة ولكنهم، في هذا الزمان على غير عادة، مخططو الحروب في الازمنة القديمة، هنا يقاس صعود الدولار وهبوطه، ويقاس ثمن برميل النفط منذ ساعة الصفر وحتى عمق الازمة واخرها، وترتب السماء والارض، تؤثث الاولى بأقمار التجسس وتؤثث الاخرى بالالات الثقيلة القادرة على فعل اكبر الدمارات .. كل شيء يحسبه الحاسوب بدقة.. الا عدد الابرياء. فهؤلاء هم الذين لا تذكرهم الحسابات ولا الدراسات ولا الابحاث، لان في الحرب لابد من ضحايا ابرياء .. وبدون سقوط ابرياء لا تصبح الحرب حربا. سقطت طفلة فلسطينية رضيعة بالامس مختنقة بالغاز، فالذي اطلق قذيفة الموت عشوائيا كان يريد ابرياء وضحايا، كان يريد مزيدا من الالم والفجيعة في حال يصور لك ان هذا العالم الغابة ما زال في بدائيته، لم يعلمه علم ولم يؤدبه أدب .. الحرب وحدها التي تهدي السبيل!! هذه اخر معلومة تلمع في سماء الغابة، هذا هو منطق حكام العالم الجدد الذين ينضمون الى خراب ما بعده خراب. كان هذا الكلام فاتحة حديث بيني وبين شاعر صديق اعرفه ويعرفني جيدا، كان في بدايات الثمانينيات يكتب قصائد ثورية، يكتب عن الاوطان، عن الدجالين والنصابين، وباعة الوهم العربي والعالمي، ويكتب احيانا عن حبيبة لا نعرف ملامحها الا من بين سطور أشعاره .. التقينا بالامس على قارعة طريق يضج بالمارة، صدفة، بعد غياب، وكان السؤال عن الحال .. ضحك وقال: اي حال؟ حال الحرب ام حالي .. قلت: اخبار اشعارك! لم اكتب شعرا منذ ثلاث سنوات، لم اقرأ شعرا، لم افتح دفاتري القديمة، لا اعرف لماذا؟ كيف لك ان تحب الشعر في زمن الحرب؟ كيف لك ان تغني، ان تحزن ان تفرح، ان تنفعل ثم تعود للفرح؟ هذا ما عاد يحدث كما كان في السابق. قلت: اتذكر انك كتبت قصيدة مؤلمة كانت صرخة في مقابل فجيعة صبرا وشاتيلا .. كتبت عن انتفاضة الحجارة في انطلاقتها الاولى، قلت كلاب اميركا فلماذا لا تفعل هذا اليوم؟ قال: اختلف الحال يا صديقي، الحرب اليوم مشروع يدرس ويعمم على العالم، الحروب كمشاريع التنمية، وصار العجب، انه لا فرق ان تبني منظمة دولية بيوتا للمشردين وان تهدمها على رؤوس اصحابها بأمرها وبنفس رقم الاضبارة!! تعولم القتل والترويع والتجويع والتركيع وسلخ «الاوادم» من كرامتهم، صار كل هذا رسميا ودوليا ومتعارفا عليه. قلت له مرة اخرى: اختنقت طفلة رضيعة بالغاز فماتت، قل شعرا في ذلك، اكتب قصائد لونها بلون الدم، لكن لا تبقى صامتا هكذا. قال: ليست طفلة ولا طفلتين .. الاوامر الدولية ومراهقات حكام العالم الجديد وملاك مشاريع الحروب ومقاولوها هم الاهم .. هذا وقت مر بطعم العلقم.