السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 يبدو ان الكثير من القواعد والثوابت القائمة تحطمت أو نسفت بعد أحداث 11 سبتمبر، فلم تعد مثل تلك القواعد سارية المفعول، ولم يغد العالم القديم ذو الثوابت والقيم هو المسيطر، بل أصبح عالمنا اليوم مقطب الجبين يشبه راعي البقر الأميركي وعجرفته وغروره وتسلطه، ولم يعد للحكمة مكان فيه بعد ان سلّط الراعي سوطه ورفع صوته عالياً. ففي هذا العصر الفضائي المفتوح على مصراعيه الذي تتوالى فيه وخلاله الكوارث والحوادث وتتابع، ويختلط فيه الصدق بالكذب، نقف طويلاً، ونفكر كثيراً، باحثين عن الحقيقة دون جدوى. في هذا العصر يظل السؤال قائماً، من يملك حق نشر الأخبار وحجبها، وكيف يسيطر خبر ما على العالم ويقفز ليتصدر نشرات الأخبار هنا وهناك، وهل ما يصلنا عبر وكالات الانباء موثوق فيه، أو يعبّر عن الواقع الذي يعيشه العالم؟ ونضيف على ذلك سؤالاً آخر: هل القاعدة الصحافية التي ظللنا نتوارثها والتي تنص على ان الخبر مقدّس والتعليق عليه حر مازالت سارية المفعول ولم تتأثر بعد أحداث 11 سبتمبر؟ من يقرأ كتاب «الانحياز» الذي كتبه مراسل شبكة «سي.بي.اس» الاميركية حول الكيفية التي يتم التلاعب فيها بالأنباء وتسييرها وفق مصالح معينة يدرك ان الخبر لم يعدّ حرّاً، بل أصبح يدخل فيه تكنيك الكذب والتلوين والادعاء، وهذا يجرنا الى دراسة أميركية أجراها مؤخراً أحد اختصاصيي الطب النفسي كشفت ان أكثر الناس في أميركا يتحرون الكذب، فقد اكتشف روبرت فيلدمان من جامعة ماساتشوستس ان 60 في المئة من المتطوعين الذين أجريت عليهم الدراسة قد كذبوا مرة واحدة على الأقل خلال المحادثة التي شاركوا فيها، والتي استغرقت عشر دقائق. وأوضحت الدراسة ان أغلب الناس يكذبون مرتين أو ثلاث على الأقل، وان الرجال لا يكذبون أكثر من النساء، بل هم في الكذب سواء، وان النساء يلجأن الى الكذب لجعل الأشخاص الذين يحادثونهن يشعرون بأحاسيس طيبة حيالهن، فيما يكذب الرجال بغية اظهار أنفسهم بصورة أفضل لدى الآخرين.. وإذا كان هذا هو حال الشعب، فما الذي تخبئه أو تحاول ان تجمّله الادارة الأميركية؟! من هذا الباب أدخل فألتقط خبراً يشير الى ان جورج بوش اكتشف صلة عمومة مباشرة تجمعه برئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، إذ ينتمي الاثنان، حسب موقع «ماي فميلي دوت كوم» البريطاني الى جدّ واحد وهو السير هنري سبنسر، وأما الصلة بين بوش وتشرشل فإنها تعود الى وليام سبنسر الشقيق الأصغر للسير هنري، فابن هذا الأخير جون سبنسر هاجر الى أميركا في القرن السابع عشر وفي عداد ذريته كانت آن ماربري التي استوطنت ولاية ماساتشوستس، ومن ذريتها كانت هارييت فاي التي تزوجت جيمس بوش جد جد بوش الرئيس الاميركي الحالي. ومن هنا علينا ان ندرك ذاك الحب والارتباط الوثيق الذي يجمع بوش برئيس الوزراء البريطاني والتأييد الأعمى الذي يبديه بلير تجاه بوش والذي وصل الى حد لا يطاق حسب البريطانيين أنفسهم. لقد صادق بلير على أقوال وأفعال بوش وعمل ما لم تعمله ادارته منذ تولي الرئيس الأميركي الادارة حتى الملف الذي أعدّه بلير تمهيداً لضرب العراق. ربما يشير البعض الى ان ذلك التقارب لا علاقة له بالصلة التي تجمع بوش بتشرشل، فما خفي كان أعظم.. وهذه الشكوك التي تعتمل في ضمائر وفكر البريطانيين والأميركيين أنفسهم قبل أي شعب آخر لها ما يبررها، ومن هنا علينا أن نعود لتحقيق نشر في صحيفة «الاوبزرفر» البريطانية قام به الصحافي البريطاني إد فليامي كشف من خلاله أسراراً خفية تصل الى غياب الحدود الفاصلة بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، فهو يقول بأن عائلة بوش التكساسية عملت منذ العام 1917 حيث بدأت علاقتها بالنفط بتطوير ذاك البعد سياسياً لخدمة أغراضها، إلا ان النقلة المهمة جاءت على يد جورج بوش الأب منذ أربعينيات القرن الماضي. ويستفز فليامي القاريء كي يربط الأجزاء الصغيرة المتناثرة هنا وهناك في أركان المصلحة الخاصة والعامة، وفي الردهات الخلفية كي يعمل منها خارطة يستطيع قراءتها. يقول فليامي: ان المصالح المتشابكة والمترابطة التي نسجتها عائلة بوش في النظام الأميركي والتي ترتبط جميعها بصناعة الطاقة لا فكاك منها، فهي تبدأ من تكساس وتمر بمراكز النفط في هيوستون ودالاس، وتزحف الى كل الولايات لتستقر في البيت الأبيض! ومن هنا، حسب فليامي، يجب ان نعرف من هي ادارة بوش، فقد جاء نائب الرئيس ديك تشيني الى الفريق الرئاسي من منصب المدير التنفيذي لشركة هاليبرتن ثاني كبرى شركات الحفر في العالم، وقد جمع ثروة شخصية تساوي 63 مليون دولار أميركي، وهناك فرانك كارلوتشي المدير السابق للمخابرات المركزية ووزير الدفاع في عهد ريغان والذي يرأس مجموعة كارلايل للأسهم. إلا ان السؤال الذي يرميه فليامي للقاريء يقول: من في ظنكم مدير مجموعة كارلايل في أوروبا؟ ويجيب: انه جون ميجور رئيس وزراء بريطانيا السابق! ويترك فليامي النص مفتوحاً فربما تلتهم الشبكة الأميركية التابع البريطاني فتظهر النتائج بعد حين، فأمام صناعة الحلم سواء كان أميركياً أو بريطانياً يمضي بوش وبلير في الاتجاه نفسه نحو سهم يسمى العراق. Dhaen66@hotmail.com