السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 في اوروبا والولايات المتحدة تتجمع نذر عاصفة احتجاجية ضد ضرب العراق. لكن الحكومات في العالم العربي مشغولة بالبحث عن «فلول القاعدة». وعندما تحين منها التفاتة عجلى الى المسألة العراقية فإنها لا تجد ما تقول ـ فضلاً عن ان تفعل ـ سوى مطالبة بغداد بالمزيد من التنازلات «لتتجنب الهجوم الاميركي» وكأن العراق في وضع المعتدي وليس المعتدى عليه. لم يكن مصدر عجب اذن انه بينما تتكاثف نذر العاصفة الاحتجاجية على الافقين الاوروبي والاميركي في اعقاب نشر «ملف بلير» عن العراق التزمت الدول العربية السكوت التام وكأنها ليست الطرف المعني بالأمر اكثر من غيره بطول العالم وعرضه. في اليوم التالي لنشر «ملف بلير» الذي اراد له رئيس الحكومة البريطاني ان يكون «وثيقة دامغة» لتجريم العراق بشأن اسلحة الدمار الشامل من اجل تبرير شن هجوم عسكري على هذه الدولة العربية الشقيقة فتحت الصحافة البريطانية النار على الملف، حيث اجمعت غالبية الصحف ان رئيس الوزراء لم يكن مقنعاً بشأن ضرورة شن عملية عسكرية ضد العراق. وقالت صحيفة «فايننشيال تايمز» التي تخاطب نخب المجتمع البريطاني ان الملف لم يقدم اي دليل دامغ على ضرورة القيام بعمل عسكري فوري. وما ان نشر الملف حتى جهر 64 نائباً من نواب حزب بلير بمعارضتهم لسياسته بشأن العراق. وعلى الصعيد الاوروبي الاعرض قالت الحكومة الالمانية ان الملف «لم يأت بأي جديد». وانتهزت المانيا هذه المناسبة لتعيد اعلان معارضتها اي هجوم على العراق حتى بعد نشر الملف البريطاني. ولم تتردد روسيا في رفض الملف.. فقد نعته وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف بأنه مجرد «ضجة دعائية».. وهو نعت يعني «الكذب» باللغة غير الدبلوماسية. وقال الوزير الروسي: «اعتقد ان الاخصائيين والخبراء وحدهم يمكنهم الحكم على ما اذا كان لدى العراق اسلحة دمار شامل ام لا. وعلى ذلك فإننا نسعى الى عودة المفتشين الى العراق بأسرع ما يمكن». وعلى خلفية ملف بلير الحافل بالتلفيقات والافتراضات الذاتية غير المؤسسة والخالي تماماً من الأدلة العلمية انتقلت نذر العاصفة الاحتجاجية الى الافق الاميركي. فقد تحولت المسألة العراقية الى مشهد تنابز بالألقاب بين ادارة بوش والكونغرس. وكان البادي الاظلم هو الرئيس بوش نفسه عندما اطلق تصريحاً طائشاً نعت فيه اعضاء الكونغرس بما يشبه الخيانة الوطنية قائلاً ان الكونغرس الذي يسيطر عليه «الحزب الديمقراطي» المعارض لا يهتم بأمن الشعب الاميركي. وانبرى للرد السيناتور داشل زعيم الاغلبية «الديمقراطية» متهماً الرئيس بوش بأنه يستغل قضية العراق لغايات سياسية ذاتية. ومضى في هجومه المكشوف متسائلاً: ايهما اهم: العراق ام حالة الاقتصاد الوطني؟ واذا استدعينا الى الذهن ان الميزانية العامة الاتحادية للولايات المتحدة انتقلت من فائض كبير الى عجز في غضون شهور معدودة من عهد الرئيس بوش لمرحلة ما بعد احداث سبتمبر فإننا نفهم مغزى تساؤل السيناتور داشل.. بل وذهب داشل الى حد القول بصراحة ان الرئيس بوش يستغل مسألة العراق كحيلة للتهرب من القضايا الداخلية وفي مقدمتها الاقتصاد. ان العاصفة الاحتجاجية داخل البرلمان البريطاني التي ووجه بها توني بلير ليست بمعزل عن مناخ تذمر عام اخذ يتبلور في بريطانيا على الصعيد الشعبي. فعلى خلفية هجوم الصحافة البريطانية على سياسة بلير بشأن العراق خرج كبار نجوم السينما والمسرح والتلفزيون في مظاهرة احتجاجية الى مقر الحكومة. وبعد ذلك بأيام اصدرت مجموعة من كبار الاكاديميين ونجوم السينما بزعامة النجمة الكلاسيكية جين فوندا في الولايات المتحدة بياناً احتجاجياً مماثلاً ضد سياسة وممارسات الرئيس بوش بشأن المسألة العراقية. وهذا البيان الاحتجاجي ليس سوى مقدمة اعلانية لمسيرات في المدن الاميركية الكبرى اعدت للاسبوع المقبل. وهكذا يواجه جورج بوش نذر عواصف من كل الجهات.. ولكن للاسف ليس العالم العربي احدى هذه الجهات. ان الرئيس بوش يجد نفسه الان في ورطة. فقد راهن على الحصول على تفويض مفتوح في الكونغرس باستخدام كل الوسائل ضد العراق بما من ذلك القوة المسلحة ليخاطب المعارضين في مجلس الامن الدولي من ارض صلبة فيطالب المجلس باصدار قرار جديد بشأن العراق يخول الولايات المتحدة شن حرب ولو بصياغة ضمنية، وكون ان الرئيس الاميركي سمح لنفسه بابتدار معركة مهاترات كلامية مع الكونغرس فإن اغلب الظن انه توصل الى قناعة مسبقاً بأن الكونغرس ربما لن يعطيه التفويض المطلوب. وعوضاً عن ان تستغل الدول العربية ضعف موقف الرئيس الاميركي لصالح العراق فانها عملياً تعزز وقوفها الى جانبه.