السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 أغلب الظن أن « ضربة المعلم»، وفي الوقت المناسب، التي قام بها النظام العراقي (الموافقة على عودة المفتشين الدوليين للعمل في بلاده من دون أية شروط) ساهمت في ارجاء موعد العدوان الأميركي على العراق الا أنها لم تلغه نهائيا. المؤشرات التي خرجت من واشنطن تقول ذلك وان لم تؤكد الارجاء بشكل قاطع. على العكس، فهي أكدت ان الضربة آتية لا محالة وأسبابها أميركية أولا وقبل كل شيء. ماذا فعلت ادارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش منذ ذلك التاريخ ؟!. تراجعت هذه الادارة، وان لم يكن بصورة كاملة، عن محاولتها الحصول على تغطية لعمليتها العسكرية المقررة سلفا ضد العراق من مجلس الأمن الدولي. كانت هذه المحاولة قد تمت أصلا بضغط من الداخل الأميركي بعد ان تبدت العملية قرارا فرديا من الولايات المتحدة لا يجاريها فيه أحد في العالم باستثناء بريطانيا واستراليا. وداخل مجلس الأمن، فانها عندما اصطدمت بموقفين روسي وفرنسي يريان عدم الحاجة الى اصدار قرار جديد بعد التزام حكومة بغداد بقرار المجلس القديم حول المفتشين الدوليين، تمسكت بالدعوة الى اتخاذ قرار جديد، أملا منها من ناحية بأن يؤدي الخلاف في المجلس الى اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الموافقة العراقية على عودة المفتشين، ومن ناحية ثانية بأن يشكل القرار تغطية ولو غير مباشرة للعملية الانفرادية. ثم انها تحركت بعد ذلك باتجاه الكونغرس، توقعا منها أن تجد فيه التغطية الكاملة محليا بدلا من التغطية الناقصة دوليا. ومرة أخرى، فقد اضطرت هذه الادارة للعمل مع الكونغرس بعد أن حاولت لأسابيع عديدة ادعاء ان لا حاجة لما وصفه أحد أعضاء الكونغرس بـ «شيك على بياض» من السلطة التشريعية على خلفية وجود « شيك « سابق كان قد أعطي لادارة بوش الأب عشية حرب الخليج وترى أنه لايزال ساريا للآن. وقد رفض الكونغرس الحالي هذه المقولة قائلا ان هناك موقفا جديدا وأنه لا بد بالتالي من مناقشة جديدة للأمر اذا كان لا بد من اتخاذ قرار جديد. لكن ادارة بوش الأبن تقدمت من الكونغرس هذه المرة بمطلبين في وقت واحد: تفويضها استخدام «كل الوسائل الملائمة بما فيها القوة لفرض احترام قرارات الأمم المتحدة للدفاع عن مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة ضد التهديد العراقي واقامة السلام الدولي والأمن في المنطقة»، والموافقة على ما يسمى بـ «مبدأ بوش» القائم على التخلي عن استراتيجية الاحتواء والردع التي سادت طيلة فترة الحرب الباردة واستبدالها باستراتيجية «الضربات الوقائية» أو «العمليات الاستباقية» ضد أية دولة أو جهة أو منظمة ترى الولايات المتحدة انها تشكل، أو قد تشكل في يوم ما، تهديدا للأمن القومي الأميركي او للأمن والسلام الدوليين. بين التحركين، باتجاه مجلس الأمن وباتجاه الكونغرس، لم تترك ادارة بوش مناسبة الا وأكدت فيها انها ستعمل منفردة ضد العراق سواء قرر مجلس الأمن تفويضها بذلك أو لم يقرر، وبأن موقف العراق الجديد من الباحثين عن أسلحة الدمار الشامل التي قد يملكها (وطبعا قد لا يملكها!!) ليس سوى تكرار لمواقف عراقية سابقة لم يلتزم بها صدام حسين في الماضي ولا تريد واشنطن أن تصدق بأنه قد يلتزم بها في المستقبل. وبينهما ايضا، فان بوش دعا زعماء الكونغرس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري الى فطورعمل خرج منه ليقول انه حصل منهم على وعد باعطائه تفويضا كاملا للعمل ضد العراق، وموضحا في الوقت ذاته ان من شأن هذا التفويض أن يرسل «اشارة مهمة الى العالم ليرى أن هذا البلد متحد في تصميمه على التعامل مع التهديدات التي نواجهها». لكن هل «البلد متحد « فعلا حول سياسات بوش في هذه المرحلة »؟!. لا تخفي أجهزة الأعلام الأميركية ولا مراكز الأبحاث أن جزءا ليس قليل الأهمية من المعركة التي يخوضها بوش منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يرتبط بمستقبله السياسي سواء فيما يتصل بالانتخابات النصفية للكونغرس في الخامس من نوفمبر المقبل او بتجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية بعد عامين من الآن. وفي هذا السياق فالديمقراطيون الذين يسيطرون على الكونغرس بمجلسيه حاليا، والذين يعرفون ما وراء الأكمة الجمهورية، يجدون أنفسهم ـ كما قالت صحيفة « الانترناشيونال هيرالد تريبيون « في وضع من يخشى أن تظهر معارضته للحرب ضد العراق وكأنها « نقص في الوطنية» بينما تخوض الأمة الأميركية كلها حربا شاملة على الأرهاب. الا أن زعيم الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس توم داشلي، الذي أثار مع عدد من زملائه اعتراضات على غزو العراق ومخاطر هذا الغزو وتكاليفه والدعم الدولي له، كان أكثر وضوحا في هذا المجال عندما قال انه «من سوء الحظ» ان تثار مسألة العراق هكذا فجأة عشية الانتخابات الأميركية وأن من شأن التوقيت هنا ان يشكل «رسالة تخريبية، بل وتخريبية جدا». يشير ذلك الى أن بوش كان ينوي أن يشن عمليته العسكرية ضد العراق قبل انتخابات الكونغرس النصفية، فتكون ورقته الاساسية في الاقتراع اعتمادا على تصاعد شعبيته وبلوغها أرقاما قياسية في الاستطلاعات نتيجة حربه على أسامة بن لادن ونظام حكم « طالبان» في أفغانستان. ولأن «حساب الحقل لم يأت على حساب البيدر»، كما يقال، بسبب الموقف العراقي من المفتشين من جهة والوضع داخل مجلس الأمن من جهة ثانية والحاجة الى شهرين على الأقل لمعرفة أية نتائج قد تتمخض عنها مهمة المفتشين من جهة ثالثة، فان أهم ما ضرب في خطة بوش كما يبدو هو موعد اطلاق الرصاصة الأولى. لكنه بانتظار ذلك، يظن بوش انه يستطيع أن يجير، والى أقصى حد، تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر والمناخ العام الذي تثيره حربه على العراق في حملته الانتخابية، وتاليا ـ كما يتوقع ـ في تشكيلة الكونغرس المقبلة، وصولا الى اعادة انتخابه بعد عامين. كلام داشلي عن التوقيت السيئ دليل، والخوف من تهمة «النقص في الوطنية» دليل ثان، لكن الشحن اليومي للرأي العام الأميركي منذ 11 سبتمبر، وخاصة في ذكراها الأولى، ضد « الكره لأميركا» في العالمين العربي والاسلامي وحول «الوطنية الأميركية» و «القيم الأميركية» المهددة من الخارج هو الدليل الأهم. في حالة شبه الركود التي تضرب الاقتصاد الأميركي منذ عام، وفي ظل الفضائح الادارية والمالية لعدد من الشركات العملاقة التي تتحكم به، يرى بوش الابن ان اغراء المؤسسة الاقتصادية الأميركية بالعسل الآتي من العراق، بعد احتلاله وتغيير النظام فيه والتحكم بنفطه، يمكن ان ينقذه من الهزيمة التي حلت بوالده في العام 1992 لأسباب اقتصادية أولا وأخيرا. وما يصفه الأميركيون بـ «اليوم التالي» بعد غزو بغداد لا يقف في نظرهم، ولا طبعا في نظر بوش واضع الخطة ومهندسها، عند حدود العراق الجغرافية أو السياسية ـ الاقتصادية بل يتجاوزها (على نسق حرب افغانستان التي غطت نفط بحر قزوين وآسيا الوسطى فضلا عن الهند وباكستان مع اطلالة على الحدود مع الصين) الى المنطقة المحيطة بالعراق عن آخرها من ايران الى الخليج الى مصر الى سوريا ولبنان. ربما لذلك لا تذكر ادارة بوش بتاتا موضوع النفط في حيثيات حربها المعلنة على العراق. هي تحاول، هنا ايضا، اخفاء حقيقة الأهداف التي تبيتها للعراق ولغيره على امتداد المنطقة والعالم. الا انها، عندما تحاور روسيا مثلا حول موقف موسكو من الحرب على العراق وموقف هذه الأخيرة من عودة المفتشين الدوليين، لا تفعل الا انها تتهم روسيا بالسعي لحماية مصالحها هناك والا انها تعدها بأخذ هذه المصالح في الاعتبار بعد تغيير النظام العراقي. واللعبة لا تحتاج الى خبير في فك الألغاز، أو الألغام هنا، لاكتشافها. الذريعة هي محاربة «الارهاب» هنا وهناك، والغطاء هو تغيير الأنظمة الرجعية والديكتاتورية واستبدالها بأنظمة حكم ديمقراطية (يفضل أن يكون على رأسها موظفون في شركات أميركية كما هو الحال في افغانستان)، الا ان الغاية الأستراتيجية ل « الدولة العظمى الوحيدة في العالم « لم تعد خافية على أحد بمن في ذلك حلفاؤها في أوروبا وغيرها. أنها، كما أكد «مبدأ بوش» الذي نشر أخيرا تحت عنوان «استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة» والتي تقدم على قاعدة أن واشنطن لن تنتظر إلى ان تتعرض للهجوم بل انها سوف تملك دائماً زمام المبادرة تحت ما يسمى بسياسة الردع والاحتواء بضربات استباقية خاصة في ظل تعرضها لتهديدات دائمة بشن عمليات ارهابية. عندما كانت الادارات الأميركية المتعاقبة تقول علنا، وعلى مدى سنوات، ان سياستها في المنطقة تقوم على ضمان تفوق اسرائيل على دول المنطقة كلها وأن ما بين الولايات المتحدة وبين اسرائيل هو «تحالف استراتيجي»، لم يكن الا القليلون من العرب يدركون أبعاد هذا الكلام. في الحرب المنتظرة على العراق، وبتداعيات هذه الحرب وتأثيراتها على المنطقة، تكمن الترجمة العملية لعبارة «التحالف الاستراتيجي» بين أميركا واسرائيل. فلا مستفيد من هذه الحرب، بعد الولايات المتحدة، سوى اسرائيل. وما تشهده الأرض الفلسطينية حاليا، حتى في اثناء التحضير للعمليات العسكرية، يقول ذلك بكل صراحة ووضوح. ـ كاتب لبناني