السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 شكل الحادي عشر من سبتمبر الحدث الاهم منذ عقود في تحدي الدولة الكبرى الاولى في العالم. اذ تفوق ذلك الحدث على التحديات التي قام بها الاتحاد السوفييتي وتفوق الحدث على ازمة الصواريخ الكوبية وغيرها من ازمات الحرب الباردة. لقد وضع الحادي عشر من سبتمبر الدولة الاكبر في العالم امام خيارات متناقضة. اذ كان بامكانها ان ترد على ما حصل من خلال معاقبة الفاعلين والتعامل مع الجرم بصفته الخاصة دون ان تعمم ذلك على منطقة الشرق الاوسط برمتها، ولكنها اختارت عوضا عن ذلك ان تفجر على كل الاصعدة فتتعامل مع الامر بصفته حدث يمس كيانها ويهدد سلامها ودورها الكوني وفي هذا شنت الحرب على كل المستويات وحولت الحادثة التي وقعت في سبتمبر إلى رد شمولي واجندة خاصة ترتبط بموقع الولايات المتحدة في المنظومة الدولية ودورها العالمي ومحاولة تشكيلها لنظام دولي جديد يقوم على موضوعات جديدة اضافة لاعادة صياغتها لصراعات وأنظمة وأوضاع الشرق الاوسط. بل حددت الولايات المتحدة سلفا ان ما مسها هو مساس للعالم الاوسع وعلى الاخص العالم الذي يقوم على اقتصاد العولمة المرتبط بالولايات المتحدة. الرد الاميركي جاء متحديا للامم المتحدة، ومتحديا لرغبات الكثير من دول العالم الاوروبي وغير الاوروبي وجاء بنفس الوقت في اطار محاولة الولايات المتحدة استثمار انتصارها في الحرب الباردة. في هذا خسرت الولايات المتحدة الكثير من الرأي العام في العالم مقابل تنفيذها للسياسة التي تريد. ولكن الخسارة الاميركية محدودة التأثير، وهي تتطلع لتعزيز مكاسبها، وذلك لان الفردية الاميركية الراهنة هي احادية موجهة لتثبيت اسس نظام يختلف عن النظام الذي كان سائداً قبل الحادي عشر من سبتمبر. فنحن ندخل الآن في مرحلة تشبه بدايات الحرب الباردة منذ ان بدأ حصار برلين والضغط الشيوعي في كل مكان، فقد تميز ذلك الوضع بالاحادية وذلك قبل ان يستقر على صيغ جديدة للعمل الجماعي. ان النظام الدولي الجديد يحوي الكثير من التناقضات وهو يعكس موازين القوى العالمية الجديدة والمائلة لصالح الولايات المتحدة. اذ يقوم هذا النظام على مبدأ التدخل عندما تتجاوز بعض الدول خطوطا حمراء اكانت هذه دول تكتنفها حالة من الفوضى كما كان الامر في افغانستان ودولاً تعصي الوضع الدولي بانتظام وبتكرار كما هو حال العراق. النظام الجديد يطرح علينا مباديء الضربات المباغتة والخاطفة، ويطرح تصدير الديمقراطية عندما تنعدم في بعض الحالاتت. الوضع الجديد يرى فيه الاميركيون ارتباطا اكبر في العالم عوضا عن الانعزال وسياسة عدم التدخل الواضحة التي عودوا العالم عليها منذ حرب فيتنام. فقد تراجعت الولايات المتحدة في الصومال في السابق وتراجعت في دول عديدة منها لبنان في الثمانينيات امام ضربات وتحديات ومخاسر. وبينما لم تتراجع في العراق عام 1990 وكذلك في البوسنة وفي كوسوفو الا ان ذلك تم في ظل ظروف قاهرة لم يكن شكلها الرئيسي هو التدخل وتغير الانظمة والهجوم، كما ان ذلك تم في اطار دولي واضح في اجماعه. بمعنى اخر ما يميز النظام الجديد هو انتقال الولايات إلى الفردية والحسم والهجوم وذلك بهدف تأسيس وضع دولي مختلف في موازينه عما كان قائما للامس القريب. ولكن ما هو المصير العربي في ظل النظام الجديد؟ يبقى هذا سؤال لا جواب واضح عليه الآن. فالعرب اليوم يواجهون واحدة من اكبر التحديات في فلسطين في اطار التعديات التي تمس مستقبل هذه القضية ومصير شعبها. وهم بنفس الوقت يواجهون اكبر الاخطار في وضع العراق في ظل آفاق الحرب التي قد تعصف به والتي قد تؤدي إلى نظام جديد في العراق. في كل بقاع العرب هناك ترقب وانتظار وأحيان الصمت او الانحناء الذي يسبق العاصفة. في هذا انتظار لمرحلة جديدة قد تأتي بالجديد ولكنها قد تأتي بالمزيد من الآلام.. في بداية او نهاية كل أزمة يقع على العرب مسئولية التعامل مع الحدث بتشعباته ثم مسئولية شق طريق يخرجهم من الحالة التي تلف واقعهم. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت