السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 تتصرف الولايات المتحدة الأميركية معنا هذه الأيام وكأننا ميراثا للمرحوم والدها.. كأننا من مخلفاته.. فتتدخل في شئون العدالة المصرية.. وتشجع على نزف الدماء الفلسطينية.. وتصر على أن تمسك بحنفية النفط الخليجية.. وتسعى جاهدة للتربع على كرسي السلطة العراقية.. فهل نحن جزء من التركة التي تركها لها والدها؟ إننا لا نعرف المرحوم والدها.. ولا نعرف شيئا عن حسبه ونسبه وشجرة عائلته.. ولا نتذكر انه ترك مالا أو عقارا أو ذرية في أي بقعة عربية.. ولا نتذكر انه ناسبنا أو صاهرنا أو تزوج أمنا فصار عمنا الذي يتدخل في حياتنا.. فيحدد لنا شكل البيت الذي نسكنه.. وعدد الارغفة التي نأكلها.. وطبيعة الزوجة التي نعاشرها.. نحن لا نتذكر انه كانت له تجارة قديمة.. أو مزرعة عريضة.. ليحاسبنا بهذه الطريقة.. بالسنت والسحتوت. إن المرحوم والد الولايات المتحدة الأميركية كان مثيرا للمتاعب منذ اليوم الأول الذي هبط فيه بلادنا.. لقد بدأت العلاقات الأميركية العربية على أرض مصر بمشكلة تافهة راحت تكبر وتتفاقم حتى كادت ان تصبح كارثة.. ففي مايو عام 1840 استأجر مواطن أميركي اسمه فيكتور بارثو مخبزا في الاسكندرية.. ولكن بعد 6 سنوات أزالت البلدية المخبز لتوسيع الشارع.. طبقا لقانون المنفعة العامة.. فطلب فيكتور بارثو بواسطة القنصل الأميركي العام اسكندر تود تعويضا من الحكومة المصرية.. لكنها رفضت قائلة: (إن عليه أن يقيم دعوى ضد أصحاب البيت الذي يقع فيه المخبز فقد حصلوا على التعويض المناسب.. فهي لا تتعامل مع المستأجرين وانما مع الملاك). لم يتردد القنصل الأميركي في الدخول في مفاوضات شاقة مع الحكومة المصرية كي يحصل صاحب الفرن الأميركي على تعويض مناسب.. كان عباس الأول واليا على مصر في ذلك الوقت.. وقد أراد ان يريح نفسه من الصداع فوافق على صرف ألف ريال للمواطن الأميركي.. لكن القنصل الأميركي لم يقنع بذلك وأنذر الحكومة المصرية في فبراير عام 1852 بأنها إذا لم تحل المشكلة حلا مرضيا في ثلاثة أسابيع فإنه سيقطع علاقاته الرسمية معها وسينزل العلم الأميركي ويطويه.. وفي نهاية المدة أرسلت الحكومة اليه مذكرة أعلنت فيها قبول مبدأ التحكيم في مقدار التعويض.. لكنه رفض.. وامام هذا التعنت عرضت الحكومة ان تدفع 6 آلاف دولار كتعويض.. لكن القنصل تمسك بأن يكون التعويض 12 ألف دولار ثم خفضه الى 8 آلاف دولار فاضطرت الحكومة الى الرضوخ.. ووافقت على التعويض المطلوب.. وفي اليوم التالي رفع العلم الأميركي على القنصلية مرة اخرى بينما مدفعية الشرف تطلق 21 طلقة. هكذا بدأت العلاقات العربية الأميركية بكل مافي السياسة الأميركية من غطرسة وتعسف وعناد وتهديد.. ولم تكن هذه المشكلة هي المشكلة الوحيدة التي وقعت بين القنصلية الأميركية والحكومة المصرية في تلك الأيام البعيدة. ففي الدراسة الجادة الممتعة التي نشرها الدكتور أحمد الحتة في المجلة المصرية للقانون الدولي عن (البعثات المصرية الى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر) يشير إلى ثلاث منازعات قديمة على طريقة أول القصيدة.. كفر. كان النزاع الأول يخص موظفا مصريا عينه القنصل الأميركي مساعدا ومترجما له اسمه يعقوب اليازار قبضت عليه الشرطة ووضعته في سجن القلعة فاحتج القنصل الأميركي بحجة أن له وحده السلطة على موظفي قنصليته غير ان الحكومة لم تطلق سراحه.. وقبل ان تحسم المشكلة توفى القنصل الأميركي وخلفه قنصل اخر هو ريتشارد جونز الذي كتب الى وزارة الخارجية في بلاده يقول: إن يعقوب اليازار قد وضع تحت الحماية الأميركية واصبح من رعاياها وان على الحكومة المصرية ان تفرج عنه رغم أنفها. وكان القنصل السابق قد عين قبل وفاته مترجما مصريا آخر هو اسكاروس قسيس في عام 1852 لكن الحكومة المصرية اعترضت على تعيينه وعندما جاء القنصل الجديد أيد تعيينه وتمسك به وهدد الحكومة المصرية بالانسحاب من البلاد لو اصرت على رفضها.. فلم تجد الحكومة المصرية مفرا من تجاهل الامر برمته. وتكررت المشكلة نفسها لثالث مرة بتعيين قسطنطين كحيل وهو سوري الجنسية لم يكن محبوبا في دوائر السلطة العليا في مصر فاعترضت على تعيينه في القنصلية الامريكية التي اصرت على ان رعاياها لهم حماية خاصة ولا يجوز الاقتراب منهم.. وقد اتضح ان هناك 50 شخصا مسجلين تحت الحماية الأميركية معظمهم لاجئون من بولندا والمجر وايطاليا هربوا من بلادهم لاسباب شخصية أو سياسية.. وفي الوقت نفسه قرر القنصل الأميركي ريتشارد جونز توسيع نطاق حماية بلاده لتشمل طبقة من الاغنياء المصريين.. هم على استعداد لدفع المال بسخاء للحصول على ذلك الامتياز.. لكنه سرعان ماتراجع عن تلك الخطوة خوفا من تدهور العلاقات مع الحكومة المصرية.. خاصة وان الخارجية الأميركية وجهت دعوة للخديوي عباس الأول لاشتراك مصر في معرض نيويورك الصناعي والزراعي وقد وافق عليها والي مصر وأمر بارسال حاصلات مصرية للاشتراك في المعرض على أن يرأس وفد مصر البكباشي لطفي أفندي الملحق بالخارجية المصرية الذي سافر في 17 سبتمبر عام 1853 عن طريق انجلترا ولم يكن هدفه عرض زهور القطن المصرية بقدر تسوية المشاكل السياسية بين حكومته والحكومة الأميركية. لم تكن بعثة (لطفي أفندي) هي أول بعثة رسمية الى الولايات المتحدة.. سبقتها بنحو 17 سنة بعثة رسمية عرفت ببعثة جورج روبتر جليدون وهو انجليزي كان يقيم في مصر والده كان يعمل بالتجارة وفي نفس الوقت كان مندوبا قنصليا للولايات المتحدة في الاسكندرية منذ عام 1835 وبينما كان جورج قائما باعماله في القاهرة استدعاه والده الى الاسكندرية واخبره برغبة محمد علي باشا والي مصر في ذلك الوقت في ارساله الى الولايات المتحدة في مهمة رسمية فوافق على الفور وراح يجهز نفسه للسفر. وكان محمد علي قد قرر ارسال هذه البعثة بعد الأخبار التي وصلته من الولايات المتحدة عن كثرة المخترعات الميكانيكية فيها وقدرتها الفائقة على استغلال قوة البخار في الصناعة وكذلك الاعتماد على الولايات المتحدة في استيراد مواد خام ومعدات حربية في حالة قيام حرب ثانية بينه وبين تركيا واحتمال قطع العلاقات التجارية اثنائها.. في هذه الحالة يمكنه الحصول على مايريد من واردات بحماية العلم الأميركي الذي كان محايدا وقويا في تلك الفترة.. وسافر جورج جليدون في نهاية سبتمبر عام 1836. في مثل هذه الأيام من 166 سنة.. فوصل الولايات المتحدة في نهاية يناير 1837 وهو يحمل قائمة بالطلبات المصرية وكانت: شراء مضرب لتبيض أرز رشيد ودمياط وشراء معصرة زيت بذرة القطن.. وارسال ستة من المهندسين والميكانيكيين الأميركيين الى مصر لمباشرة انشاء مضرب الأرز ومعصرة زيت القطن.. ومد التجار الأميركيين بالمعلومات الضرورية عن محاصيل مصر ومنتجاتها رغبة في اقامة علاقات تجارية مباشرة بين البلدين. ومكث جورج جليدون نحو ثلاثة شهور هناك واستأجر سفينة تسمى كارول أبحرت من نيويورك في 12 مارس 1838 وعليها المعدات والخبراء فوصلت الى الاسكندرية في 21 مايو من العام نفسه ثم رجعت الى نيويورك وعليها شحنة كاملة من البضائع المصرية.. وكان من نتائج هذه الرحلة ان زاد اهتمام الحكومة الأميركية بمصر فقررت في عام 1837 انشاء قنصلية اخرى لها في القاهرة بخلاف قنصلية الاسكندرية وعين جورج جليدون قنصلا لها ورحبت الحكومة المصرية بذلك. وفي الدراسة التاريخية الممتعة للدكتور محمد الحتة: ان جورج جليدون قابل الرئيس الأميركي في واشنطون وكلفه بكتابة تقرير عن العلاقات السياسية والتجارية بين البلدين وكتابة تقرير اخر عن القنصليات الأجنبية في الاقاليم التي يحكمها محمد علي.. فكتب جورج جليدون التقريرين وارسلهما الى واشنطن في 15 ابريل عام 1837 الى وزير الخارجية الذي رفعهما بدوره الى الرئيس الأميركي.. ولو كانت هناك قوانين تحاكم على كتابة تقرير لجهات أجنبية لكان مصير جورج جليدون الاعدام.. فقد كشف عن اطماع محمد علي التي تجاوزت الاقاليم التي يسيطر عليها وهي مصر والسودان وشبه الجزيرة العربية وسوريا وكربت.. ووصف حكومة محمد علي بانها خليط من الآراء المستنيرة والقبضة الحديدية المستبدة.. وحدد هدفه في المستقبل القريب في استمرار أسرته على عرش مصر - على الاقل - من بعده. أما تقريره عن العلاقات المصرية الامريكية فيقول: ان هذه العلاقات بدأت في عام 1832 بانشاء القنصلية الأميركية في الاسكندرية وقد سبقه زيارة سفينة حربية أميركية بقيادة أم سي بري في العام السابق.. ومنذ ذلك الوقت اصبح اسم الولايات المتحدة معروفا لدى حكومة محمد علي الذي كان شديد الترحيب بالسياح الأميركيين وبالسفن الحربية الأميركية التي لم تصدق نفسها فراحت ترسو في ميناء الاسكندرية كلما وجدت نفسها قريبة على حد قول أشهر قادتها وعلى رأسهم.. دي باترسون.. وتي إليوت.. وقد كشفت وثائق أميركية كتبت فيما بعد: إن فكرة الأسطول السادس الأميركي الذي يجوب البحر المتوسط الآن قد طفت على سطح العقلية العسكرية الأميركية في ذلك الوقت. لقد تدفقت السفن الحربية على الإسكندرية بصورة ملفتة للنظر بينما لم يمر بها سوى تاجران أميركيان فقد كانت مصر هدفا عسكريا قبل ان تكون سوقا تجاريا.. كما ان الغطرسة الأميركية سرعان ماسعت لفرض نفسها على الحكومة المصرية فكانت المشاكل التي سافر لحلها البكباشي لطفي أفندي الذي قدم فور نزوله الولايات المتحدة مذكرة في 21 ديسمبر عام 1853 الى فرنسيس ماركو رئيس المكتب الدبلوماسي في وزارة الخارجية بواشنطن عبر فيها عن رغبة حكومته في تسوية ماشاب العلاقة بين البلدين.. وتعرض لكل مشكلة اثيرت على حدة مشكلة قسطنطين كحيل الذي وصفه بانه استغل القنصلية الأميركية في تحقيق مكاسب شخصية منها اختلاس 20 ألف كيس من أموال يتامى من بنك كان يرأسه.. كما انه كان يبيع الحماية الامريكية لكل من يقدر على دفع مايريد.. وكذلك فعل اسكاروس قسيس الذي كان مديرا لتركة شخصية مصرية ثرية واستقراطية لكنه أراد ان ينجو بما فعل من تجاوزات فبحث عن دولة اجنبية تمنحه حمايتها فراح إلى بريطانيا ثم فرنسا وأخيرا الى الولايات المتحدة وهو مايعني ان الحكومة الأميركية ستتدخل بين أحد رعايا الباب العالي في تركيا وحكومته ممايعني تدخلا في الشئون الداخلية لدولة صديقة.. ان مافعلته الحكومة الأميركية في هذه القضايا الشخصية وجدنا صورة طبق الأصل منه فيما بعد في قضايا مشابهة.. مثل قضية الدكتور سعد الدين ابراهيم الذي قفزت من قضية جنائية الى قضية سياسية.. وكأن هذه عادة الحكومة الأميركية منذ أن عرفت طريقها الى مصر ولن تشتريها. ورغم ان الخارجية الأميركية تفهمت موقف الحكومة المصرية بخصوص تلك النزاعات فإن القنصل الأميركي أخذته الغزة بالاثم وراح يهاجم الخديو عباس ويصفه بالفاشية وكراهية الاجانب واحتقار حكوماتهم.. واتهمه بالتحيز ضد الاقليات الدينية واضطهادها.. ونسب اليه انه حاكم مطلق لا يؤمن بالديموقراطية ولا يميل ناحية الحرية.. وهو نفس ماحدث فيما بعد مع كل الحكام الذي لا ينفذون للولايات المتحدة ولا لسفرائها ورجالها مطالبهم حتى لو كانت هذه المطالب غير مشروعة.. ان التراث السياسي الأميركي المتوارث عبر الاجيال يعتمد على استخدام وسائل الضغط والابتزاز ضد كل من لا ينفذ مايريد.. فتكون تهمة الفاشية والديكتاتورية ومعاداة حقوق الإنسان وتعطيل المجتمع المدني جاهزة لاطلاقها في أسرع وقت ممكن.. لو نجح الضغط وجاء الابتزاز بنتيجة انقشعت الغيوم وسطعت الشمس من جديد.. ان في التاريخ القريب والقريب جدا أمثلة حية وشاهدة على ذلك. لقد بلغ عناد القنصل الأميركي حدا جعله يتجاوز تعليمات حكومته ويمنح عملائه الثلاثة: يعقوب اليازار واسكاروس قسيس وقسطنطين كحيل الحماية الأميركية رافضا قرار وزير خارجيته الذي انتهى بأن (أوضاع هؤلاء الثلاثة خطأ ويجب تصحيحه(.. وأغلب الظن ان سبب هذا التجاوز هو قوة القنصل المستمدة من جهاز المخابرات الذي كان يتبع الرئيس الأميركي مباشرة.. فغالبا مايكون رجال المخابرات الذين يعملون في الخارج تحت اغطية دبلوماسية أقوى من الدبلوماسيين الذي يتبعون الخارجية.. انها قاعدة قديمة في السياسة الأميركية لا تزال تفرض نفسها على زماننا وعصرنا. وقد وصل استعراض القوة بالقنصل الأميركي الى حد تهريب اسكاروس قسيس الى الولايات المتحدة حتى لا يحاكم في مصر.. وظلت المشكلة قائمة الى ان تولى السلطة الخديوي سعيد.. فطلب من اسكاروس الرجوع الى مصر ليحتفظ بوظيفته مساعدا ومترجما للقنصل الأميركي.. بل وصل الضعف بالخديوي سعيد الى حد انه (أظهر أسمى شعور للصداقة نحو الولايات المتحدة في اثناء مقابلة جرت بينه وبين القنصل الأميركي أعلن فيها عن رغبته في جعل العلاقات أوثق مما عليه(.. وهو ماشجع الخارجية الأميركية على ان تطلب من وزير الخارجية المصري أدهم باشا اعتذارا رسميا على ماجرى.. وعندما عرض الطلب على والي مصر أمر وزير خارجيته بتقديم الترضية اللازمة.. ولذلك ذهب أدهم باشا بنفسه الى الاسكندرية وقدم تفسيرات واعتذارات مرضية. ان السياسة الأميركية قامت على مجموعة من القواعد والأسس المتعسفة التي تؤمن بأن القوة هي التي تصنع الحق والوجود وليس أي شئ آخر.. ولو قرأنا التاريخ لما تعبنا في تفسير مايجري في العراق وفلسطين والسودان وبنما وبلاد واق الواق وأخرى تركب الأفيال. ـ كاتب مصري