السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 أكثر من 400 سنة مرت على كتابة شكسبير لمسرحية «حلم ليلة صيف»، ولكنها ما زالت تتمتع بتلك الجاذبية الأولى التي تسم المسرحيات الجديدة، والسر ليس في قيمة المسرحية الفكرية، أو في بساطتها المطلقة، بل السر الحقيقي في نوعية المسرح الذي يقدمه شكسبير المناسب لكل الأزمان وجميع الامكنة. أمس الأول كان موعد عشاق المسرح في الامارات مع عرض «حلم ليلة صيف» حيث قدمت فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق هذه المسرحية في الشارقة وغداً تقدم عرضاً في أبوظبي ويوم الثلاثاء تقدم عرضها الأخير في الفجيرة، المسرحية من تأليف وليم شكسبير (1564 ـ1616) ومن اخراج الدكتور رياض عصمت وتؤديها فرقة طلاب موهوبين جداً من المعهد العالي للفنون المسرحية. في جعبة شكسبير 37 مسرحية رائعة قدمت مئات المرات على مسارح العالم طيلة أربعة قرون وستظل تلك المسرحيات حية في الذاكرة الانسانية لأنها تتناول مواضيع انسانية تتكرر أبد الدهر، حيث الحب، الغيرة، الجشع، الطمع، السلطة، القوة، الكبرياء، الاخلاص والخيانة، العذاب والسعادة.. وغيرها. ما يتبقى من عروض شكسبير هو ذلك الصدى الخالد للحكمة التي تنطق بها أفواه الممثلين والحكمة لا تموت، الحكمة تتجدد، لذلك كان عرض المسرحية لطيفاً وبسيطاً وآسراً. لقد كانت حكمة شكسبير قريبة من الروح وكان رياض عصمت «المخرج» خير حامل لفانوس الحكمة وإذا كان فريق العمل يستحق علامة امتياز، فلابد ان ترافقها قبعة مرفوعة احتراماً وتقديراً لمجموعة متجانسة الايقاع عالية الفهم لوظيفة المسرح. ولأن الحديث عن المسرح يقود إلى الوعي الاجتماعي باعتباره عنصر تنوير وتثوير، فإن الحاجة باتت أكثر من ملحة إلى ضرورة استمرار المسرح في دوره الريادي الذي لا يتخلى عنه شعب ولا ترفضه أمة، ولأن المسرح قيمة نابضة بأفعال حقيقية خيرة فإن مقولة اعطني مسرحاً جيداً اعطك شعباً راقياً، أصبحت هاجساً لكل راغب في التغيير والتطوير. ان عرض «حلم ليلة صيف» لم يكن حدثاً عابراً في صيف هذا العام لأننا قد ننتظر طويلاً قبل ان تسنح الفرصة لمشاهدة مسرح بهذه الأهمية، لذلك تستحق وزارة الاعلام تحية تقدير على هذه البادرة الذكية في استقدام عروض مسرحية عربية متميزة لأن فيها خدمة كبيرة للحركة المسرحية وفيها انتصار حقيقي للثقافة الجيدة على ما هو استهلاكي وسريع الزوال، وهذا سيدفع بدوره إلى العمل على الاستثمار في حقل ظل لمدة طويلة خارج رهان الابداع، فالمسرح أكثر الفنون البصرية رصداً لحياة الانسان وأكثرها تعبيراً عن انسانيته وهو حمّال الرسائل وخير موصل لها وعن طريقه تتحقق نظرية ارتقاء المجتمعات عبر الفن، وإذا كان مثالنا هو عروض ثلاثية لحلم ليلة صيف على مسارح الامارات فإن هناك أمثلة أخرى ننتظر ان نراها قريباً على مسارحنا، وحتى نقارب الحقيقة أكثر نقول ان السينما في الامارات استطاعت خلال السنوات الخمس الأخيرة ان تتواجد بقوة في الساحة البصرية عبر عشرات الصالات التي تقدم افلاماً حديثة شاهدها الآلاف ولسوف يكون للمسرح (لو دخل حقل الاستثمار) حضور فاعل في الحياة الثقافية والاجتماعية لكل من يعيش على هذه البقعة الجغرافية. إننا اليوم بحاجة إلى مسرح مطعم بنكهة الآخرين ورؤاهم وتجاربهم وعندما يتطعم المسرح يصبح مذاقه جميلاً ومقبولاً ومستساغاً، وهذا معقد الأمل من خلال الخطوات الرامية إلى استقدام العروض المسرحية العربية إلى الامارات، ولعلنا سنحصد قريباً نتائج ايجابية لهذا الزرع، وحتى ذلك القريب نضع هذه الآمال بين أيدي المسئولين لاستكمال خطواتهم الجريئة. E-mail:H-S-D@maktoob.com