الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 طوال أسبوع مضى، راوحت فيه بين الاطباء وسرير المرض، كان فعل الارادة الوحيد الذي يربطني بالعالم هو الكتابة والقراءة، الكتابة قرار والقراءة اختيار وما بينهما تجري مقادير حياتنا كما نريد احيانا وكما يشاء الله في كل الاحيان. وفي مثل هذا العمر، فليس في المرض حادث طاريء او جديد، فلقد مرضنا آلاف المرات، وزرنا عشرات الاطباء، وسكبنا في عروقنا مختلف التراكيب الدوائية الكيميائية، ما يجعل اجسادنا احيانا ترفض بعض العلاجات فلا تستجيب لتأثيراتها ما يجعل وطأة المرض تشتد، وايامه تطول ولياليه تصبح ثقيلة على الجسد حتى تجعله وكأنه خارج من معركة مصيرية او كابوس مرعب. يرمينا المرض في أتون الحمى، وتلتهم الحمى اجسادنا بلا رحمة، لكن الحمى تصقلنا وتجعلنا اكثر شفافية وانسانية وصمتا واحتمالا، ولهذا فليس كل المرض شرا مستطيرا، يكفي اننا حينما نرزح تحت وطأته تنفتح امامنا طاقات من الرؤية، فنشعر في عمق القلب بمدى وحجم مآسي الاخرين وامراضهم فنرفع أكفنا للخالق مبتهلين بصدق مكررين (الحمد لله). لم يخفف عني ايام المرض الطويلة سوى حنان والدتي الطاغي الذي احاطتني به حتى كانت تبكي احيانا لما اعانيه فكانت تذكرني ببيت الشعر الجميل الذي مدح فيه الشاعر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قائلا: فإذا رحمت أنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماء الى جانب حنانها ودفق عطفها، فإنني اخترت القراءة كي اتخفف من وطأة المرض ووطأة ثقل الوقت، ولا ادري لماذا وقع اختياري على سيرة الفتاة اللبنانية المقاومة، سهى بشارة ابنة الجنوب اللبناني التي قبعت في معتقل الخيام لاكثر من عشر سنوات، وحينما حررت من الاعتقال سجلت احداث حياتها ضمن كتاب حمل اسم «مقاوِمة». لا ادري لماذا اخترت هذا الكتاب الصادر عام 2000 لاقرأه الآن تحديدا، وانا بين سفرين ودراستين وبلدين واجتاز فترة مرض منهك؟ ربما لانه ضمن مجموعة كبيرة من الكتب التي اقتنيتها في الآونة الاخيرة ولم تسعفني الظروف لقراءتها، وربما كان عنوان الكتاب سببا دافعا للقراءة على قدر ما اثاره في داخلي من تداعيات وافكار، وربما كانت صورة المناضلة «سهى بشارة» على الغلاف بكل ما يحمله وجهها الخالي من المساحيق والمليء بالتحدي والوضوح، وربما كان هناك سبب آخر، فنحن حينما نقرأ لا نسأل لماذا، ولكننا نسأل فيما بعد ماذا فعلت بنا هذه القراءة؟ تفتح القراءة امامنا افقا آخر للرؤية، وتنسج في داخلنا آفاقا للرؤى، تغيرنا القراءة وتمنحنا صفاء في الروح وقدرة على الاحتمال، تضيء لنا التجارب البعيدة والقاسية ـ كتجربة هذه الفتاة المناضلة ـ دروب الحياة راسمة لنا جملا وعبارات نحتاج لان نقرأها بعمق وتمهل، نحن الذين لم نوضع على محك التجارب القاسية بعد، والذين ما زالت اعوادنا طرية وايادينا ناعمة وحياتنا وثيرة ولله الحمد، بينما دروب الحياة تعج بالكثير من القسوة والالام والتجارب الانسانية التي صاغت بشاعتها وشراستها صلابة امم وقوة اجيال ولدت في أتون عذابات لا يمكن تخيلها. ان يكبر المرء اثناء الحرب ـ كما يقول ناشر سيرة سهى بشارة ـ وان يتقلد السلاح في العشرين، ويطلق الرصاص بقلب ثابت وعلى بعد خطوات على قائد جيش لبنان الجنوبي، وان يصمد على مدار عشر سنوات، في معقتل بشع كمعتقل الخيام بكل جحيمة و ... تلك هي الصورة المؤثرة التي رسمتها امرأة استعصت دوما على الاستسلام، انها سهى بشارة رمز المقاومة الحي في جنوب لبنان حيث تذكرنا في سيرتها بأن «لكل انسان الحق في مقاومة الظلم، وان من يطلب الحرية ينبغي له ان يتجاوز ذاته على الدوام».