الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 حسن الحظ اننا ولدنا على حافة عصر جميل لا يعود ولا يعوض، شاهدنا بعضه وسمعنا أشياء لا تحدث إلا من أولئك المنتمين له، وعشنا ونحن على الهامش وعلى آخر بقاياه نحب ذلك العصر ونتمنى ان يتحول في بعض جنباته، كنا نحلم بمستقبل أفضل في قشور الحياة ونعيمها، وعندما جاء الحاضر، أصابنا بالراحة والصدمة أيضاً، نجد الحنين فينا يكبر لذلك الزمن ونشعر اننا خسرنا أشياء لا تشترى. أمس خرج إلينا واحد من أولئك المنتمين لذلك العصر الجميل، من أين جاء في هذا الزمن الغريب؟! انه بعض ملح هذه الأرض، يحتفظ به هذا التراب، فالأرض لا تصفو، لاتعتدل إلا بهؤلاء. قالت الصحافة ان شرطة رأس الخيمة كرمت شرطياً يحمل رتبة صغيرة انه رقيب، أو كان أقل من ذلك قبل الترفيع، خبر مثل كل الأخبار التي تنشر كل يوم، لولا الصورة وتفاصيل صغيرة نقلها زميل من بين الزملاء الذين كتبوا الخبر، لا شيء فيه يثير أو يهم سوى مصدر الخبر وشخص المكرم. الصورة لشخص كبير في السن لحيته بيضاء، سحنته مميزة ان ملامحه تنتمي إلى شكل وطبيعة أولئك الذين تعرفهم من أول مرة فهم يشبهون هذه الأرض. وماذا قدم هذا الجندي الذي يبلغ من العمر خمسة وأربعين عاماً، ليقوم قائد الشرطة بتكريمه، دور بسيط من وجهة نظره، لا هو من واجباته الشرطية، ولم ينتظر احتفالاً به أو حتى أن يدري به أحد، انه واجب انساني، الصدفة وحدها كشفته وعرّفت الآخرين بما قام به. الشرطي سعيد العلوي الذي عنده أربعة أطفال، ومعلوم قسوة ظروف الحياة ومصدر الرزق المتواضع الذي يمكن ان يتوفر لمثل هذا الرجل في هذه الرتبة الوظيفية التي هي في أدنى سلم الوظائف من حيث مزاياها المادية، هذا الشرطي مرضت جارته التي لم يذكر الخبر اين هو زوجها، ودخلت المستشفى وعندها طفلان اثنان لم تسمح لها ظروف المرض ان تبحث لهما عن معيل. سعيد الجار الذي شعر بهذا الظرف تصرف من منطلق انساني، ولأنه من بقايا ذلك العصر، فإن لزومية الواجب وحق الجار فرضت عليه ان يرعى الطفلين ـ تصور ان تضيف إلى بيتك الكبير وامكاناتك المعيشية المحدودة عبئا آخر ولم يرض ان يكونوا كأولاده إنما ميزهم أيضاً، فكان يحملهم معه أينما ذهب، حتى أثناء دوامه اليومي يتركهما تحت نظره حتى ينتهي عمله ويعود بهما، وطال الأمر، فمرض الأم تجاوز الأيام، واستمر قعودها في المستشفى أشهر طويلة، لم يشتك الشرطي سعيد من هذا الواقع الجديد، فعندما اقبل على هذا الفعل كان بارادته، فأكمل رعايته لهما دون ضجر أو ملل إنما بكل حب ورعاية حتى عادت الأم إلى بيتها. من يصدق ان مثل هذا التصرف يمكن ان يحدث في هذا الزمان؟ جار يسأل عن جاره، جار يرعى جاره ويساعده في ضائقته ويتحمل مصاعبه ويكون سنداً له، جار يتحمل أبناء جيرانه بل يحملهم إلى داره ويسكنهم بيته ويرعاهم ويربيهم ويعاملهم كأنهم أولاده وأكثر من ذلك! كان أمامه ان يغلق أذنه، ويسد بابه عن أي ازعاج، مثلما هي «العادة» عند كثيرين من أهل هذا العصر، أو يتصرف كرجل شهم ويبلغ دار رعاية الأيتام أو الجهات المسئولة عن ظروف جارته، ويدلهم على البيت، ولو أنه ذهب وأحضر هذه الجهات بسيارته لكان كرماً كبيراً منه. لكن سعيد العلوي فعل أعظم من ذلك، لأنه من أولئك الكبار، الذين لا يرضون إلا ان يكونوا كباراً في كل شيء، هكذا علمهم زمنهم، وهكذا عاشوا. ولو ان كل ما حولهم تغير وتشوه، إلا انهم لا يتبدلون، فالأصيل يبقى كذلك دائماً.