الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 اختراع عدو عالمي جديد للغرب هو الهاجس الاكبر حاضراً ومستقبلاً الذي يؤرق الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة والآن وبعد زوال هستيريا احداث سبتمبر اخذ حلفاء الدولة العظمى يتساءلون عن تعريف «الارهاب العالمي» كعدو استراتيجي ثابت للغرب وهذا التساؤل التشكيكي هو الذي ادى الى فشل اجتماع وزراء دفاع الدول الاعضاء في حلف شمال الأطلسي الذي عقد هذا الاسبوع في العاصمة البولندية وارسو فما هو مستقبل هذا الحلف الذي يجمع الولايات المتحدة مع دول اوروبية؟ لقد انشئ الحلف بمبادرة اميركية في عهد الرئيس هاري ترومان عقب نهاية الحرب العالمية الثانية كمؤسسة قتالية واستخباراتية لمنظومة الدول الرأسمالية في مواجهة المعسكر الاشتراكي الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفييتي ومنذ الوهلة الاولى لانشاء الحلف برزت سيطرة الولايات المتحدة عليه باعتبارها اكبر قوة عسكرية وكانت الدول الاوروبية مضطرة لارتضاء هذه الهيمنة الاميركية لعجزها عن مواجهة الخطر الشيوعي السوفييتي في الجوار الجغرافي منفردة. وهكذا فإن انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال الامبراطورية السوفييتية عند نهاية عقد التسعينيات كان ايذاناً ببداية تمرد اوروبي على الوصاية الاميركية، وبالتالي ايضاً بداية عد تنازلي ـ وان كان بطيئاً ـ لحلف «ناتو» فكيف يتسني للولايات المتحدة المحافظة على سيطرتها على الحلف؟ ان نهاية الاتحاد السوفييتي كان معناها نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. واذا كانت الفلسفة التي قام عليها حلف ناتو كذراع حربية للنظام الرأسمالي العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة تتمحور حول استهداف «الشيوعية العالمية» فإن السقوط التلقائي لهذه الفلسفة نشأ عنه فراغ استراتيجي عالمي ولمدى العقد الاخير ظل التفكير الاستراتيجي الاميركي مركزاً على ايجاد عدو عالمي جديد لسد هذا الفراغ. واختيار «الارهاب العالمي» كعدو بديل للشيوعية العالمية كان في الحقيقة سابقاً على احداث سبتمبر 2001 لكن الاحداث وفرت فرصة تاريخية للطبقة الحاكمة الاميركية للتوكيد على هذا الخيار وحشد القوى الغربية جميعاً حوله في جبهة موحدة تحتفظ فيها الولايات المتحدة بدور الزعامة. وخلال الايام والاسابيع الاولى بعد وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن وما خلفته آلة الحكم الاميركية حولها من مناخ ارعابي بدا للوهلة الاولى وكأنه قد كتب لحلف ناتو عمر جديد فبسرعة مدهشة وافقت الدول الاوروبية الاعضاء على اعمال ميثاق الحلف الذي ينص على ان اي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداء على الدول الاعضاء كافة ومصدر الادهاش هو ان المجموعة الاوروبية اعطت هذه الموافقة قبل ان يثبت ان هجوم سبتمبر كان اعتداء خارجياً. مجاراة لمناخ الهستيريا الذي اعقب احداث سبتمبر لم توافق الدول الاوروبية الولايات المتحدة في شن الحرب الافغانية فحسب بل ايضاً شاركت فيها بقوات مقاتلة. لكن الامر اختلف بعد ذلك فقد ثبت للدول الاوروبية كما ثبت لغيرها ان «الحرب الاميركية ضد الارهاب» تستهدف العالم كله.. والى الابد وبدأ تمرد اوروبي بقيادة فرنسا والمانيا. وبلغ هذا التمرد ذروته في معارضة اغلبية الدول الاوروبية لغزو اميركي ضد العراق ورويدا ثبت لاوروبا ايضاً ان الولايات المتحدة تريد استغلال حلف ناتو كغطاء لتبرير حربها ضد العالم تحت اسم «مكافحة الارهاب». الآن يقف حلف ناتو على مفترق طرق مع تعاظم الخلاف الاوروبي مع الولايات المتحدة وجوهر هذا الخلاف بات يتمثل في سؤال: ما هو الارهاب العالمي؟ الادارة الاميركية الراهنة تحرص على عدم الخوض في اي تفاصيل بشأن تعريف «الارهاب العالمي». لكن نستطيع ان نستنتج من خلال المسلك الدولي للولايات المتحدة لمرحلة ما بعد سبتمبر ان «الارهاب» يتكون في الرؤية الاميركية من ثلاث بؤر هي: حماية امن الدولة الاسرائيلية ومواجهة المد الاسلامي واستهداف المنظمات والدول المناهضة للعولمة الرأسمالية الاميركية. ان هذه الرؤية تتناقض مع الرؤية الاوروبية اجمالاً فأوروبا ترفض الانحياز الكامل لاسرائيل ولهذا فإنها تنتهج سياسة متوازنة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي وتفضل الدول الاوروبية التعامل مع «خطر» المد الاسلامي بوسائل ثقافية وسياسية لا بالحرب، اما بالنسبة الى العولمة فإن اوروبا تكتشف كل يوم ان الرأسمالية الاميركية تستهدف في الحقيقة فرض سيطرة كاملة عن طريق الشركات متعددة الجنسية على الاقتصاد الوطني في الدول الاوروبية نفسها وفي الواقع ان اميركا تشن حرب تجارة صامتة على اوروبا. وهكذا سوف تواصل الولايات المتحدة الترويج لعدو عالمي جديد بمواصفاتها الذاتية.. فلا تزداد الا انعزالا عن حلفائها التقليديين.