الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 التشوف السياسي ليس رجما بالغيب. إنه عملية بالغة التعقيد، تقوم على تأمل منهجي لمسار الظاهرة من الناحية التاريخية والتعرف على أهم العناصر المحددة لهذا المسار ماضيا وماطرأ عليها من مستجدات في الحاضر، وصولا إلى بلورة صورة إفتراضية لما يمكن أن تكون عليه الظاهرة في المستقبل.ويجمل المعنيون بالدراسات المستقبلية هذه الخطوات بالقول بأنه «لكي نعرف إلى أين لابد أن نعرف من أين». ومع ذلك، فإنه مهما بلغت معرفتنا بماضي الظاهرة وبوضعها الراهن وبالمحددات التي تحف بسيرورتها وكينونتها، يبقى هناك دوما هامش لغير المحسوب واللا متوقع . الذي يستطيع صرف عملية التشوف أو الاقتراب من المستقبل بدرجة أو أخرى وخلط الأوراق والحسابات. من ذا الذي تصور على سبيل المثال أن تطرأ أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، بكل تداعياتها وإسقاطاتها على تفاعلات الانتفاضة الفلسطينية، بل وعلى مجمل مسار القضايا العربية والدولية؟ علينا إذا أن لا نبالغ في قدرتنا على اختراق الحجب وكشف ما تخبئة الاقدار لقضايانا وهمومنا وشواغلنا، في عالم لا يخلوا من المفاجآت. لكن القناعة بصعوبة عملية الإستطلاع، التي تنسحب على البحث في مستقبل الانتفاضة، لا تعني إستحالة هذه العملية والركون إلى ترك الأمور المتعلقة بهذا المستقبل لتتفاعل من تلقاء ذاتها بمعزل عن إرادتنا الواعية وتدبيرنا المقصود والموجه، إننا إذا إستشعرنا هذه الإستحالة ووطنا أنفسنا عليها فسوف ندخل دائرة العجز ثم الهزيمة المفضية إلى الإستسلام الكلي.وهذا مخالف لمفهوم التخطيط الإستراتيجي. ففي هذا التخطيط يجرى الإستعداد لكل شاردة وواردة، بل ويتم الاعداد والإستعداد المسبق لكثير من غير المتوقع والمفاجئ. وبناء على ذلك، يلجأ صناع القرار إلى وضع عدد من البدائل والخيارات بدون التخلي عن الأهداف العليا تحت زعم ضغوط الظروف والمتغيرات أو الطوارئ والمستجدات. نود القول، ان ثمة مجموعة من الأسس والقواعد الصارمة التي تحف بسيرورة الانتفاضة حاضرا ومستقبلا، ولابد أن تمارس دورها بغض النظر عن أي حدث طارئ. وفي تقديرنا أن تشوف مصير الانتفاضة، إنتصارا أم إنكسارا، معلق بالتمعن في هذه الأسس وإستبصار وضعيتها ومدى توفرها من عدمه. الأساس الأول، يتعلق بحال البيت الفلسطيني من الداخل، إن سياسة فلسطينية لا تنطلق من توافق عام وإئتلاف حول الأهداف الإستراتيجية والتكتيكية (المرحلية) ووسائل النضال وتوزيع المسئوليات والأدوار وأنماط التحالف العربية والدولية وكيفية إدارة المعركة مع العدو، في إطار نظام سياسي ديمقراطي خال من الفساد إلى أبعد الممكن على جميع الصعد.. سياسة فلسطينية كهذه لن تتمكن من أداء مقاوم تحرري فعال لا بالانتفاضة ولا بالتفاوض نحن لا نتحدث هنا عن وحدة وطنية بمفهوم الكتلة الإسمنتية أو الحديدية الصلبة. فهذا المستوى من التوحد يبدو طوباويا وينم عن نزعة غير واقعية بالنظر إلى المشهد الفلسطيني الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. المقصود فقط هو «التوافق والإئتلاف العام»، باعتبار أن ما لايدرك كله لا يترك جله. والذي لا شك فيه أن الانتفاضة لن تبلغ مآربها وقد تنتكس، وفي أفضل الفروض سوف تراوح في مكانها، إذا ما إستمرت أسيرة لعقليتي الإقدام والاحجام التي تراود القيادة الفلسطينية العليا تجاهها. وأسوأ من ذلك على مستقبل الانتفاضة أن تتفرق السبل بفصائل السياسة الفلسطينية إلى أن يصبح التلاقي بينها مستحيلا، وتقع في وهدة أو سقطة مطاردتها لبعضها البعض. ففي حالة كهذه، ستمسي الانتفاضة - ويحاصر المنفضون - بين مطارق العدو وسنادين بعض أهل البيت، فتعظم الخسائر على الأرباح والمكاسب. لم يسبق لحركة تحرير أن بلغت مرادها بدون حد معقول من التوافق بين أطرافها، ونحن نتفهم العوامل الموضوعية التي دفعت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى التشظي التنظيمي والفكري. غير أنه لا مبرر لئن يستمر هذا التشظي كقدر مقدور لايمكن الإفلات منه. مثل هذا الوضع لا يبدو منطقيا في ضوء العطاء الجماهيري الميداني..والأولى بفصائل المقاومة أن تتخذ من هذا العطاء هاديا لها ومرشدا بدلا من تشظيته وتمزيقه خلفها. ولكن كيف يتأتي لهذه الفصائل، المشاركة في سلطة الحكم الذاتي بالتحديد، أن ترشد الجماهير طالما أنها هي ذاتها تفتقد للدليل أو الدستور المرشد لحركتها منذ هجران الميثاق الوطني لمنظمة التحرير؟ الانتفاضة تدار فلسطينيا بسياسة يوم بيوم وفصيل بفصيل وقيادة بقيادة.. حتى ليمكن الزعم بأنها تعاني من شبه اليتم القيادي العام، وهذا لا يؤهلها سوى للصمود المؤقت ويقربها من مرحلة الإنفلاس والعشوائية. وهناك أطراف كثيرة تسعى إلى هذه الوضعية للفتك النهائي بها، وجعل تضحياتها العظيمة بلا جدوى. الأساس الثاني، يتعلق بحال النظام العربي الظهير. فبين جماهير متحفزة أثبتت إستعدادها لنصرة المنتفضين على خلفية صلبة من «المشاركة» القومية والروحية، وبين مقارنة خجولة مترددة تقوم بها النظم الرسمية سقفها «التضامن» عن بعد، باتت الانتفاضة عرضة ليتم قومي علاوة على شبه اليتم الوطني. المساندة العربية للانتفاضة تفتقر للديمومة والإستمرارية الانتفاضة ليست هما يوميا للأرومة القومية العربية. فهي تحولت بفعل فاعلين عرب وعجم إلى حالة عادية لا تثير الدهشة. والحدث الذي لا يثير الدهشة يقع لا محالة في طي النسيان والتجاهل، يصير الاهتمام به مسألة موسمية. هذه الحال العربية خطرة جدا بالنسبة لمستقبل الانتفاضة. إنها حال مثالية لمن أراد الإستفراد بها واعتصارها. فمن قال إن المنتفضين في فلسطين يمكن الدأب على أدائهم النضالي بدون الظهير العربي القومي؟ الأساس أو الثابت الثالث، يتعلق بالنظام الدولي فالانتفاضة والفعل النضالي الفلسطيني بعامة ليس منقطع الصلة بطبيعة هذا النظام ومصالح القوى المهيمنة فيه. ومن دواعي الأسى أن معظم التطورات التي لحقت بهذا الثابت جاءت في فترة الانتفاضة معاكسة وعلى غير ما تشتهى. هذا علاوة على أن القوة المتربعة على قمة النظام هي نصير بل وشريك عتيد لإسرائيل، بما أطلق يدها ضد المنتفضين بلا وازع دولي سياسي أو قانوني. ولا يحتمل أن تطرأ تحولات على هذه الحقائق المريرة في الأجل المنظور. الأمر الذي يحث المنتفضين على التحرك في بيئة دولية غير مواتية. ومع ذلك ، علينا أن نتذكركيف أن هذه البيئة لم تكن مواتية بالكامل للنضال الفلسطيني في أي مرحلة من مراحله،وأن حكمة القوى المنتفضة تكمن في إيجاد مداخل للحركة والديمومة في إطار هذه البيئة وعلى الرغم منها، أما الإنصياع لمطالبها وشروطها فسوف يعود على القضية الفلسطينية بأفدح الأضرار. الأساس الرابع، وثيق الصلة بالتجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وما يعرف بالداخل الإسرائيلي، ولا يوجد على هذا الصعيد ما يشى بأن القوى الإرهابية ونخبتها الحاكمة في سبيلها للتواري. العكس هو المرشح للإستقرار مستقبلا، أي زيادة جرعة الإرهاب، ضد المنتفضين طالما أن البيئتين العربية والدولية مهيئتان لذلك. غير أن الانتفاضة أوجعت هذا الكيان أقتصاديا وسكانيا وثبت عدم الإطمئنان للمستقبل داخله وإنتهكت نظرية الأمن المطلق التي يسعى للإتشاح بها، وهذه مكاسب للمنتفضين يعتد بها. فإذا كان المنتفضون يألمون فإن إسرائيل تألم مثلهم.والظفر لمن صبر ورابط. على الجملة، تبدو الانتفاضة قابلة للإستمرار ولكنها ليست على أبواب الإنتصار، تماما كما أن هزيمتها بالكامل تبدو صعبة المنال. وهي سوف تسير في خط بياني صاعد أو هابط أو رتيب بدون قطيعة.وهذه جميعها مواصفات توحي بحرب إستنزاف فلسطينية إسرائيلية ممتدة. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة