الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 جاءت العملية الاستشهادية الأخيرة في قلب تل أبيب لتقطع صمتا طويلا نسبيا وتضع حدا لمزاد تكهنات متعددة الأطراف أوحت للمراقبين بأن الفصائل الفلسطينية على وشك الاتفاق على وقف العمليات الاستشهادية أو على الأقل تقييدها، وسواء كان التقييد الذي كان منتظرا يقصد به وقف استهداف المدنيين أو وقف العمليات داخل ما يسمى بالخط الأخضر، فإنه كان يعني قطع الشوط الأكثر صعوبة اقترابا من مائدة المفاوضات، ومما يكاد يكون موضع إجماع أن ثمة رغبة حقيقية راسخة لدى الطرفين في تأجيل الحسم التفاوضي، رهانا على الزمن أو انتظارا لتغير درامي، وفي الوقت نفسه بسبب وصول العملية التفاوضية للملفات الأكثر صعوبة (اللاجئين - الحدود - الدولة الفلسطينية - إلخ) وتحفل صحافة الكيان الصهيوني بتحليلات يقطع أصحابها بأن شارون مقتنع تماما بأن مائدة المفاوضات تعني تقديم تنازلات، أما الطرف الفلسطيني فلم يعد لديه ما يتنازل عنه، ورغم ذلك لا يحصل حتى على ما اتفق عليه في التسويات المجحفة السابقة. ولعملية تل أبيب سياق آخر لفت النظر إليه تحليل نشره موقع إيلاف الإخباري على شبكة الانترنت، وهو تحليل مثير جدا مبني على معلومات تبدو صحيحة ، وتعني صحته أن القضية الفلسطينية قد تكون مقبلة على منحنى شديد الخطورة، ففي تفاصيل التطورات منذ عملية الحافلة الاستشهادية في قلب تل أبيب يطالب الجيش الإسرائيلي بعشرين فلسطينيا موجودين الآن في مقر عرفات وهم من صفوة أركان حربه، ومن بين المطلوب تسليمهم العميد توفيق الطيراوي مدير المخابرات العامة في الضفة الغربية والعقيد محمود ضمرة قائد القوة 17 وهي الحرس الرئاسي الفلسطيني الخاص، وتتهمهما إسرائيل بتنفيذ عمليات قتل ضد مواطنيها. والعميد الطيراوي معروف بأنه أحد المناهضين بشراسة لتولي مدربين أمنيين مصريين وأردنيين لقوات أمن فلسطينية، وهي مهمة كان مقررا لها أن تبدأ منذ أيام، حسب اتفاق إسرائيلي ومصري أردني برعاية اميركية وسعودية، ويبدو أن عملية الحافلة في تل أبيب جاءت هذه المرة ليس انتقاما من إسرائيل فحسب بل ضد قرار دخول مدربين مصريين وأردنيين إلى الضفة الغربية وغزة للشروع بتدريب قوات الأمن الفلسطينية، استنادا إلى تفاهم مسبق أقرته اللجنة الرباعية في اجتماعها في شهر يوليو الماضي في واشنطن، وقد أرسل الأردن ومصر عددا من المدربين الأمنيين بالفعل للإسهام في تدريب قوات الأمن الفلسطينية. ولا ينفرد الطيراوي - حسب التحليل المشار إليه - برفض الوجود الأردني المصري لكن أطرافا أخرى من بينها حركتا حماس والجهاد الإسلامي تعارضان أي وجود مصري أو أردني، ومعارضة الحركتين لقي رد فعل إيجابيا من مسئولين أمنيين فلسطينيين استبعدتهم القرارات في المشاركة بتدريب الفلسطينيين ، وقاد هذا الاتجاه كل من توفيق الطيراوي مدير مخابرات الضفة ومحمود ضمرة قائد القوة 17 وهي حرس الرئيس، وتعتقد المصادر الإسرائيلية أن عرفات يؤيد القائدين الفلسطينيين في مواقفهما، حيث يخشى عرفات من عودة السلطة الأردنية إلى الضفة الغربية، وعودة مصر إلى غزة «وهي أمور ستبقيه في العراء السياسي من دون قرار». وانتهى ما أورده الكاتب نصر المجالي في «إيلاف» ولكن دلالاته لم تنته، فإذا أخضعنا المشهد السياسي لمستوى أعمق من التحليل، وجدنا أننا أمام مشهد مثير بالفعل مليء بالمفارقات، فالطرفان المتصارعان بشكل فعلي على أرض فلسطين المحتلة يتفقان في هذه المرحلة على أن الأفضل إطلاق «رصاصة الرحمة» على مسيرة التسوية، فالصهاينة لم يحصلوا على الأمن والفلسطينيون لم يحصلوا على الحرية وهما مطلبان لا يمكن التخلي عنهما، وبالتالي فإن أطرافا أخرى صارت أكثر حرصا على الوصول لتسوية حتى لا تتحول المشكلة المزمنة لكرة ثلج تتدحرج لتصبح مشكلة إقليمية متعددة الأطراف أو أزمة دولية في العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي. كما أن من قبلوا اتفاقات عديدة فلسطينية صهيونية شديدة الإجحاف رافعين شعارات من نوع: «استقلال القرار الفلسطيني» و «نقبل ما يقبله الفلسطينيون»، يتحولون الآن ليفرضوا على الفلسطينيين ترتيبات أمنية ستؤدي حتما إلى تغييرات سياسية جذرية، وعندما تتحول العلاقة بين السلطة الفلسطينية وأطراف فاعلة في النظام الرسمي العربي من علاقة تحالف «كتفا بكتف» إلى علاقة «تدافع بالمناكب» فإن هذا يعد مؤشرا لتحولات مهمة تصب في خانة مشروع عقد مؤتمر للتسوية دون حضور فلسطيني!! كما أنه متغير يضعف مصداقية الخطاب الرسمي العربي عن ضرورة التعامل مع عرفات بوصفه «رئيسا منتخبا». ويظل احتمال أن يكون بعض رجال السلطة الفلسطينية قد استخدم العمليات الاستشهادية «كسارة جليد» سياسية مثيرا جدا، وهو عمليا أوقف مسيرة كانت ستبدأ بعد قليل بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتنتهي معها حقبة بكاملها من تاريخ القضية الفلسطينية لتبدأ حقبة أخرى لها مخاطرها الشديدة فالدولتان المنوط بهما تدريب الأجهزة الأمنية من أكثر الدول العربية نشاطا وخبرة في «مكافحة الأصولية الإسلامية»، والفصيلان الأكثر حجما والأكثر تأثيرا في المقاومة المسلحة فصيلان إسلاميان، وإذا لم ندرك مبكرا خطر اختلاط الملفات بين الداخل والخارج ونتدارك الخطأ فستكون العاقبة مريرة فلسطينيا وعربيا. ـ كاتب مصري