الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 تعتبر البرازيل من اكبر دول أميركا اللاتينية حجما من حيث المساحة: 8 ملايين و512 ألف كيلومتر مربعا، وأكثرها ازدحاما من حيث عدد السكان: 170 مليون نسمة، منهم حوالي 50 مليون يعيشون تحت الحد الأدنى للفقر «المعترف» به دوليا (؟!)، و22 مليون منهم يعيشون بدخل يومي يقل عن الدولار الواحد، فيما يمتلك 5 في المئة فقط من عدد السكان ما يقدر بحوالي 95 في المئة من الثروة الوطنية، معظم هؤلاء الملاك أجانب لهم حق الإقامة بحكم امتلاكهم لتلك الأراضي، في الوقت نفسه تعتبر البرازيل الدولة الأكثر مديونية في العالم: 250 مليار دولار منها 43 مليار استدانتها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة لدعم عملتها المحلية في مواجهة الدولار الأميركي. هذه اللوحة المعتمة التي تعيشها البرازيل اليوم وفي انتظار انتخابات الرئاسة في أكتوبر المقبل لاختيار خلف للرئيس الحالي رجل الاقتصاد «انريكي كاردوسو» دفعت مرشح حزب العمال اليساري «لويس اناسيو دا سيلفا» الشهير باسم «لوولا» إلى البحث عن خلطة سحرية تمكنه من تخطي عقبة الرفض الرأسمالي التي تمنعه من الوصول إلى كرسي الرئاسة في بلاده الذي تعذر عليه الوصول إليه على الرغم من مشاركته في جميع الانتخابات الرئاسية التي جرت منذ عام 1989 والتي كانت أول انتخابات ديمقراطية بعد ربع قرن من الحكم العسكري المطلق الذي حرم البلاد من هذه الممارسة. نظرا لعدم ثقة رجال الأعمال والبنوك الدولية والمحلية قرر المرشح اليساري تحسين صورته أمام تلك المؤسسات المؤثرة، وبشكل خاص صندوق النقد الدولي أو بمعنى أصح الولايات المتحدة التي ترى فيه خطرا على مصالح شركاتها، بالإعلان عن برنامج اقتصادي جديد مختلف عن برامجه السابقة التي أثارت الرعب في قلوب ملاك الإقطاعيات الزراعية الذين يخشون قوانين تحرمهم من إقطاعياتهم التي تصل في كثير من الأحيان إلى أكثر من مئة ألف هكتار، فقد صرح في حديث له مؤخرا بأنه من خلال التجربة السياسية التي عاشها في العمل النقابي من خلال رئاسته لنقابة عمال الحديد والصلب، وبعد ذلك من خلال ممارسته السياسة بشكل مباشر خلال الأعوام العشرين الأخيرة، تعلم أن يعدل من أفكاره والتعامل مع اقتصاد بلاده من منطلق اكثر واقعية، وانه يبحث الآن عن ناخبين بين شريحة اعرض يحقق من خلالها وصوله إلى كرسي الرئاسة، وتنفيذ برنامج اقتصادي مختلف، اكثر توازنا يحقق مصالح تلك الطبقة العريضة التي يتحدث عنها، وفي الوقت نفسه لا يغبن رأس المال الذي يمكنه مساعدة البلاد على مزيد من النهضة الصناعية والزراعية عبر الاستثمارات الداخلية والخارجية. هذه «الخلطة» السياسية السحرية التي تشهدها الانتخابات الديمقراطية في أميركا اللاتينية لأول مرة تأتي في إطار بحث المرشح اليساري عن أصوات الإقطاع ورجال الأعمال في البرازيل الذين يمتلكون مفاتيح الاستثمارات الخارجية والمساعدات الاقتصادية، وبالتالي مفاتيح البوابة المؤدية إلى كرسي الرئاسة، من هنا اختار المرشح اليساري «لوولا دا سيلفا» المليونير اليميني المتطرف «جوزيه الينكار» ليرافقه في هذه الانتخابات مرشحا لمنصب نائب الرئيس، إلا أن هذا الاختيار الغريب الذي يجمع ما بين مرشحين لا يلتقيان في الأفكار ويختلفان في الايدلوجية ربما يقلل من مخاوف الاستثمارات الأجنبية، إلا انه خلق مشاكل للمرشح اليساري مع الجبهة التي ينتمي إليها سياسيا فقد أعلنت حركة «فلاحين بلا ارض» التي تعتبر الداعم الرئيسي للمرشح اليساري لوولا عن تشككها في إمكانية تحقيق برنامج الإصلاح الزراعي الخاص بتحديد ملكية الأراضي، وتوزيع الأرض على من يزرعها بالفعل، وليس إبقاءها بين أيدي من يضاربون بها، أو يستخدمونها كمزارع لمحاصيل مخصصة للتصدير في الوقت الذي تستورد فيه البرازيل محاصيل أخرى أكثر احتياجا إليها تدفع ثمنها إلى جيوب شركات أجنبية تستفيد من الجانبين. إضافة إلى أن المرشح اليميني لمنصب نائب الرئيس جوزيه الينكار يعتبر أحد كبار الاحتكاريين في البرازيل، حيث يسيطر على صناعة النسيج في البلاد، ويمتلك مصانع تقدر قيمتها بمبلغ 500 مليون دولار، ويعمل بها اكثر من 16 ألف عامل، وكانت له مواجهات سابقة مع حركة فلاحين بلا ارض وصفهم فيها بأنهم مجرمون وقتلة، وأعلن انه لو وصل إلى منصب نائب الرئيس سيكون من أولوياته السياسية تشريع قانون يجرم عمليات احتلال الأراضي الزراعية التي تقوم بها تلك الحركة من وقت لآخر لتعلن احتجاجها عن سوء توزيع الثروة في البرازيل. أيضا المثقفون اليساريون الذين يشكلون الأداة الإعلامية الرئيسية لحزب العمال الذي يتزعمه لوولا دا سيلفا أعلنوا معارضتهم للتحالف مع الحزب الليبرالي اليميني، حتى لو كان هذا التحالف جزءا من تكتيك انتخابي، لأن الحزب الليبرالي معروف بعلاقاته الوثيقة مع الكنيسة الإنجيلية التي تمثل الجانب الأكثر تطرفا في الكنائس المسيحية المنتشرة في البرازيل والتي يؤيد كهنتها النظريات الاقتصادية الأكثر تطرفا التي تخدم مصالح كبار الملاك والبنوك والشركات الأجنبية، وبشكل خاص الشركات الأميركية والمتعددة الجنسية التي تمول نشاط تلك الكنيسة في كل أميركا اللاتينية، بل وتستخدمها لخدمة أغراضها من خلال ربط النشاط الاقتصادي بالدين. إضافة إلى أن الحزب الليبرالي وضع شرطا غير مقبول من المثقفين اليساريين، وهو انه في حالة فوز التحالف اليساري اليميني يجب الإبقاء على شخص «ارمينيو فراجا» رئيس البنك المركزي الحالي، والمستشار الاقتصادي لرجل الأعمال الأميركي «جورج سوريس» صاحب الاحتكارات الضخمة في أميركا اللاتينية والبرازيل، وأحد اكثر المدافعين عن الاقتصاد الحر، وصاحب نظرية رفع الفائدة على العملة الوطنية البرازيلية التي تسببت في الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد حاليا. هذا التحالف الغريب بين حزب العمال اليساري والحزب الليبرالي اليميني الذي أثار دهشة المراقبين قبل أن يثير غضب المثقفين والجماعات اليسارية، كان محل سخرية من جانب تحالف يمين الوسط الحاكم حاليا، برز هذا واضحا في تصريحات أحد ابرز زعماء الحزب «باولو معلوف» عمدة ساوباولو طوال اكثر من ثلاثين عاما الذي أكد أن اختيار يميني متطرف كنائب لرئيس يساري تجعله وهو اليميني الأصيل يشعر انه اكثر شيوعية من مرشح حزب العمال اليساري. بالطبع كان لهذا المزيج الغريب بين مرشح رئاسة يساري ومرشح يميني لنائب الرئيس تأثيرات سلبية خلال الشهرين الأخيرين في توجه أصوات الناخبين، فقد كان اسم لوولا دا سيلفا على رأس القائمة طوال استطلاعات الرأي التي تمت خلال النصف الأول من هذا العام، بل أشارت الاستطلاعات إلى إمكانية فوزه بأغلبية ساحقة لو لم يرتبط اسمه باسم المرشح اليميني، لكن آخر تلك الاستطلاعات التي تم نشرها الأسبوع الماضي عادت لتؤكد أن المرشح اليساري يمكنه أن يفوز بأغلبية مطلقة ومن الجولة الأولى على الرغم من الاستطلاعات السابقة التي جاءت على اثر اختياره لليميني جوزيه الينكار كنائب له، فقد ذكرت آخر استطلاعات الرأي أن المرشح اليساري يمكنه أن يفوز منذ الجولة الأولى ولن يكون بحاجة إلى خوض جولة ثانية، مما كان له أثره على تراجع التعاملات في بورصة ساوباولو وانهيار العملة البرازيلية أمام الدولار الأميركي. إذا كان المراقبون نسبوا تراجع المرشح اليساري لوولا دا سيلفا في استطلاعات الشهر الماضي إلى دخوله في هذا التحالف «غير الطبيعي» مع الحزب الليبرالي اليميني المتطرف، وأيضا إلى ضغوط خارجية يقودها صندوق النقد الدولي الذي قرر ربط استجابته لطلب الرئيس انريكي كاردوسو لقرض جديد لإنقاذ الريال البرازيلي من الانهيار بالاستمرار في السياسة الاقتصادية الحالية، فقد ذكر بعض المطلعين على المباحثات بين حكومة انريكي كاردوسو وصندوق النقد الدولي أن الصندوق قرر تخفيض القرض من عشرة مليارات إلى خمسة فقط وتخفيض مدة اتفاق المساعدات الفنية من عامين إلى ستة اشهر فقط يمكن مدها إلى سنة فقط في حالة استمرار السياسة الاقتصادية الحالية، فإن عودة نجم لوولا إلى السطوع من جديد صاحبه مزيد من الضغوط التي تمارسها المؤسسات المالية خوفا من فقدانها مستثمراتها في السوق البرازيلي. رغم كل هذا يجمع المراقبون والمحللون السياسيون والاقتصاديون على انه بغض النظر عن شخصية الرئيس الفائز في انتخابات أكتوبر المقبل فان الرئيس الجديد سيجد بين يديه قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، لأن قروض صندوق النقد الدولي ليست سوى مسكنات ثبت فشلها في مناطق أخرى من العالم، بل وفي البرازيل نفسها التي ازداد حجم دينها الخارجي إلى حد لم يعد قابلا للإصلاح إلا بإسقاط جزء كبير من تلك الديون، وهو ما يخشاه الدائنون الأجانب إذا فاز لوولا، ولذلك يحاولون منع فوزه بإثارة المخاوف حول مستقبل الاقتصاد البرازيلي في ظل رئاسته. الواقع الاقتصادي المر الذي تعيشه البرازيل منذ سنوات جعلها تحصل وعن جدارة على لقب الدولة الأكثر مديونية في العالم: 250 مليار دولار منها 43 ملياراً استدانتها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة فقط لتحافظ على قيمة عملتها الريال بعد تدهورها أمام الدولار إلى اقل من النصف خلال الأزمة الأخيرة، وتطالب حاليا صندوق النقد الدولي بدين إضافي يقدر بمبلغ 10 مليارات دولار لوقف تدهور العملة التي فقدت 17 في المئة من قيمتها خلال الأشهر الستة الأخيرة أمام الدولار الأميركي، وأيضا لتهرب من مصير الأرجنتين أو تصاب بالحمى التي بدأت تزحف من الأرجنتين باتجاه جاراتها الأخرى كالاوروغواي والباراغواي والبيرو. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا