الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 «وسْط» و«وسَط» (بتسكين السين وفتحها) كلمتان تجريان في كلامنا المعاصر، كلفظين مترادفين يستعملان بدون تفريق بينهما في المعنى والدلالة، فمرة نسمع بعض المتحدثين يقول: مثلاً: وسْط الجماهير (بتسكين السين)، ومرة اخرى يقول أو يقول غيره: وسَط الجماهير (بفتح السين)، اي ان الكلمتين تستعملان كيفما اتفق، بلا ضابط او قاعدة، وهذا خطأ،، فالحقيقة انهما مختلفتان في مواضع استعمالهما، وهناك ضابط وقاعدة لاستعمال كل منهما. فأما كلمة «وسْط» (بتسكين السين) فظرف بمعنى كلمة «بين» بالضبط وعلى وزنها، فكل موضع تصلح فيه «بين» فهو «وسْط» (بسكون السين)، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو «وسَط» (بفتح السين). نقول: جلست «وسْط» أبنائي (بسكون السين) لأنه يصلح أن نقول: جلست «بين» أبنائي. وفي شرح آخر يقول اللغويون: الوسْط (بالتسكين) يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدواب، ولا يكون بعض الشيء الذي يضاف إليه، أي لا يكون مع الشيء جسماً واحداً، ولذلك نقول مثلاً: وقف الأستاذ «وسْط» الطلاب (بتسكين السين) لأنه يصلح استعمال «بين» مكانها، ولأن المضاف اليه وهو الطلاب مجموع متفرق الاجزاء غير متصل، اي ان الاستاذ والطلاب لا يكونون معاً جسماً واحداً متصلاً، ومن شواهد ذلك الحديث الشريف: «الجالس وسْط الحلقة ملعون». وفي الحديث الشريف ايضاً: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسْطَ القوم»، كما يقول الشاعر: إني كأني أرى من لا حياء له ولا أمانة، وسْط الناس، عريانا ويلاحظ هنا انه اذا دخل على كلمة «وسْط» الظرفية ساكنة السين حرف جر، خرجت عن الظرفية وفتحت سينها، مع بقاء معناها كما هو، كما في قولنا: وقف الزعيم في وسط الناس (بفتح السين). وأما كلمة «وسَط» (بفتح السين)، فاسم يدل على ما بين طرفي الشيء، وهو جزء منه، وتقال فيما كان متصل الاجزاء، اي فيما كان بعض الشيء متصل الاجزاء، وتأتي في الموضع الذي لا تصلح فيه كلمة «بين»، كما في قولنا: امسكت «وسَط» الحبل، وكسرت «وسَط» العصا، وجلست «وسَط» الدار، وتعطلت السيارة (وسَط» الطريق، وتجلى القمر «وسَط» السماء، وذلك بفتح السين في «وسَط»، حيث «الوسَط» هنا جزء غير منفصل عن الحبل والعصا والدار والطريق والسماء، بل انه يكون مع كل منها جسماً واحداً، ومن شواهد ذلك قول الراجز: الحمد لله العشي والسفر ووسَط الليل وساعات أخر ومن الشواهد اللطيفة قول البهاء زهير مشبها محبوبه بالغزالة (اي الشمس) والغزال: فضح الغزالة والغزال فتلك في وسَط السماء، وذاك في وسَط الفلا و«الوسَط» (بفتح السين) اسم يأتي بمعان عدة، فمثلاً يقال للمعتدل من كل شيء، كالذي بين الجيد والرديء، او بين الطويل والقصير: شيء «وسَط» (بفتح السين) والجمع أوساط. ولما كان «وسَط» الشيء افضله وأعدله وخياره، «كوسَط» المرعى، و«وسَط» الأمور جاز استعماله صفة تقال للمفرد وغيره، كما في قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم امة وسطا» أي عدولاً او اخياراً، كذلك يجمع كما في الحديث الشريف: «خيار الامور اوساطها»، ويقال: هو من «وسَط» قومه، أي من خيارهم. ومن الاستعمالات المستحدثة في علوم الحياة والاجتماع يقال: «وسَط» الشيء (بفتح السين) بمعنى مجاله وبيئته والمؤثرات الخارجية فيه، ومن ذلك: الاوساط الشعبية، والأوساط المطلعة أي الاشخاص ذوي العلم بخفايا الامور.