الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 من المؤكد ان ديفيد وولش السفير الاميركي بالقاهرة لم يتصور ان يثير مقاله المنشور بجريدة «الأهرام» يوم الجمعة الماضي أزمة مع المثقفين المصريين، ولو أنه تصور ذلك لكان أكثر حصافة ودبلوماسية. ومن المؤكد ايضاً ان الأزمة بين المثقفين المصريين والسفير الاميركي ـ أو من يمثلهم هذا السفير ـ لن تكون الاخيرة، بل هي ارهاصة لازمات أخرى كثيرة مقبلة، فهي أزمة كاشفة لما سوف تكون عليه العلاقات الرسمية الأميركية والعلاقات الشعبية العربية والإسلامية، ولذا فمن الخطأ اختزال هذه الأزمة في شخص السفير فقط. فالسفير وولش حينما أقدم على صياغة مقالته كتبها وفي ذهنه اعتباران مهمان: الأول: انه يمثل بلاده ويعبر عن مصالحها ويعكس سياستها تجاه الدولة التي يقيم بها وتجاه المنطقة التي تعتبر مصر قلبها وعقلها. الثاني: ان هناك سوابق مع بعض القنوات الرسمية جعلته يتصرف هذه المرة بآليات تلك السوابق. أما الاعتبار الذي غاب عن السفير فهو انه هذه المرة يتصادم مع تطلعات شعبية تطمح إلى توسيع هامش ممارسة الحريات العامة، هو مطلب للمصريين بُحت من أجله الأصوات. السفير في مقاله سخر من الأقلام المصرية التي ترى بوجود مؤامرة أميركية وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر رافضة القبول بأن عرباً ومسلمين هم الذين نفذوا هذه الاحداث، ودعا إلى فرض رقابة على المقالات وأعمدة الرأي قبل نشرها (كي تنسجم مع الرؤية الأميركية) في حصر الاتهام بالعرب والمسلمين، وقد حرص على ان يؤكد انه يعبر عن سياسة بلاده عبر تذييل اسمه بتعريف منصبه الرسمي (سفير الولايات المتحدة الأميركية) بل ان اختياره عنوان المقال «وضع النقاط فوق الحروف»، لم يخل من جلافة، فهذا التعبير معروف عربياً بأنه «ضبط الأمور» واعادتها من الموقع «الخطأ» إلى الموقع «الصحيح». وهذا ما رفضه المثقفون المصريون تماماً معززين بمساندة نقابة الصحفيين المصريين واتحاد الصحفيين العرب، ولذا كانت ردودهم ـ بيانهم ـ على هذه الجلافة حادة وحازمة، وهي حدة مطلوبة وفي موقعها الصحيح. والملاحظ انه منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر تعمدت الولايات المتحدة ارهاب العالم، واستبقت كل الأدلة القانونية والاحكام القضائية لترمي العرب والمسلمين بتهمة «الارهاب» ودفعت الحكومات إلى السقوط في خندقها مجبرة بمقولة الرئيس دبليو بوش «من ليس معنا فهو مع الارهاب». وعلى هذا المنوال جرت التعاملات بداية من ادراج معظم المنظمات العربية والإسلامية ـ ومنها منظمات المقاومة الفلسطينية ـ في قائمة «الارهاب» وتجميد الأرصدة المالية وصولاً إلى الضغوط لتغيير المناهج الدراسية، وإلزام الرئيس بوش دولاً عربية محددة ـ ذكرها بالاسم ـ بعدم استخدام مصطلح «الاستشهاديين» إعلامياً عند الحديث عن العمليات التي ينفذها فلسطينيون بتفجير أنفسهم، وقد قامت هذه الدول العربية فعلاً باسقاط المصطلح واستخدام «الفدائيين» بدلاً منه. وهذا ما حاول السفير الاميركي ـ أيضاً ـ ان يفرضه إعلامياً على النخبة المصرية فيما يتعلق بتفسير احداث سبتمبر، فما دامت الولايات المتحدة قد اتهمت العرب والمسلمين بـ «الارهاب» فلابد لنا جميعاً ان نقف صاغرين خلف قضبان هذا القفص، وهنا كانت سقطة السفير، فالتعامل مع الشعوب مختلف تماماً عن التعامل مع الحكومات، لذا كان طبيعياً وضرورياً ان يقابل المثقفون المصريون هذه الغلطة الكبرى بلطمة قوية تكبح اندفاع السياسة الأميركية واستهتارها بالشعوب العربية والإسلامية. وإذا كان المثقفون المصريون قد نجحوا في توجيه هذه اللطمة القوية هذه المرة، فمن المؤكد ان هناك جولات أخرى قادمة سوف تسبقها ضغوط أميركية مستميتة لـ «وضع النقاط فوق الحروف» ومن المتوقع ان تسلك هذه الضغوط قنواتها المعتادة في مختلف دول العالم العربي والاسلامي وليس مصر فقط، وهذا مشروط بنجاح مخططاتها في العراق. الولايات المتحدة سوف تلجأ إلى «وضع النقاط فوق الحروف» عبر الزام الدول العربية والإسلامية وغيرها باصدار تشريعات في اطار ما تزعم انه الحرب ضد الارهاب كي تجرم ـ عبر هذه التشريعات ـ كل ما ترى انه ينال من هيبتها ومصالحها، وما ترى انه يحض على كراهيتها، أو دعوات ترى انها تضر بها كالدعوة ـ مثلاً ـ إلى مقاطعة البضائع الأميركية، ولن يكون امام الحكومات العربية والإسلامية حرية الاختيار في رفض هذه المطالب، فذلك قد يتم عبر قرارات تصدرها الأمم المتحدة أو عبر اتفاقات ومعاهدات دولية أو عبر التهديد بوضع من يرفض ذلك ضمن القائمة الأميركية للدول الراعية لـ «الارهاب» أو عبر التهديد بما يتعرض له العراق حاليا من ابتزاز، وتلويح بالعدوان. يضاف إلى ذلك ان كثيراً من الحكومات العربية والاسلامية لها صحيفة سوابق في هذا المضمار. ومن هنا فإن دور المثقفين العرب والمسلمين ـ عموما ـ وليس المصريين فقط استشعار هذا الخطر والتحرك ـ عبر التكاتف ـ لمنعه وإلا تحول إلى طوفان يجرفنا جميعاً. والسبل إلى ذلك كثيرة منها التعجيل بإعلان تضامن الجمعيات والنقابات العربية مع موقف المثقفين المصريين والدعوة إلى مؤتمر عربي واسع ـ غير حكومي ـ يتشارك فيه المثقفون ومنظمات المجتمع المدني يضع من جانبه «النقاط فوق الحروف» لحماية الهامش المتاح من حرية الرأي والتعبير من الهجمة الأميركية الشرسة، ووضع استراتيجية عربية مضادة ـ عجزت عنها الحكومات ـ بما يضمن تعزيز ثقافة المقاومة على المدى الطويل، وإلا فإن الركون إلى ما تحقق في الجولة الأولى مع السفير الاميركي وولش سوف يبعثر كل «النقاط» والحروف العربية لتحل بدلاً منها «نقاط» وحروف أميركية، أو ربما تحقق الهجمة الاميركية المقبلة اهدافها بـ «الضربة القاضية» وليس بـ «النقاط».