الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 أسحب معي لهذا اليوم بقايا من حديث الامس حول شخصية ابوسماح آخر النهامين الذين رحلوا عنا تاركين لنا اصواتهم على بقايا اشرطة كاسيتات ممغنطة، ومواد تلفزيونية أرشيفية بسيطة ونادرة ايضا، اليوم يتم الاحتفال بهذه الشخصية وستعرض ادارة التراث بالشارقة مواد فيلمية سجلت عن الراحل وهو ينشط بصوته البحري آهات الذين مضوا الى عباب البحر واللجج الزرق كدا وكدحا ووفاء لحياة صلبة، سنسمع اليوم نهمات آخر النهامين، سننصت الى بحة البحر والى ترنيمات حياة غالية علينا فيها من الرجولة الكثير، ومن الصلابة الكثير، ومن الصدق الكثير ومن الايمان ايضا الكثير. اسحب معي هذا الحديث لليوم الثاني لسبب وحيد وبسيط وهو من يعرف ابوسماح اليوم؟ انهم نفر قليل جدا، ومن يعرف النهام، انهم نفر قليل ايضا .. ومن المأساة ان يحدث لي بالامس هذا الذي حدث وانا اسأل احدهم عن النهام فقال لي هذا النوع من الموبايلات انقرض منذ زمن .. حدث لي هذا فعلا وشعرت بالفاجعة، ليس لان النهامة وظيفة قديمة من وظائف البحر انقرضت مع انقراض ضرورتها، ولكن لانها دلالة كبيرة لماض عميق وثري تنزرع خصوصيتنا فيه. ما الذي فعلناه لامثال ابوسماح وغيره الكثيرين الذين هم كانوا شعلات في حياتنا لا شيء .. كلهم تحولوا الى مواد ارشيفية قليلة مدسوسة يغلفها الغبار وتضيع تفاصيلها يوماً بعد يوم. نعود الى صوتنا العصري الحديث، الصوت الذي جاء بديلا لصوت النهام، الاعلام المرئي والمسموع والمقروء، ماذا فعل لهؤلاء؟ هل هو خنقهم بالنسيان وبنى عروشه على غيابهم، ام انه يتذكرهم في المواسم المتباعدة وعلى مضض؟ اذكر اهل المحطات التلفزيونية عندنا، ان محطة فضائية خليجية معروفة ما زالت ومنذ سنين تصر على تقديس ارشيف هؤلاء وتعيد بث حياتهم ونتاجاتها بين فترة واخرى من خلال برامج تتغير اسماؤها لكن مضمونها واحد وهدفها واحد، وهو ان يبقى هذا الصوت الاصيل باقيا ومذكرا ابناءه بجذورهم. ومحطة خليجية اخرى لم تنسهم حتى في فواصلها القصيرة، تسمع وتشاهد شيئا من تلك الاصالة والعراقة .. فما بالنا «فصخنا الثوب» وتبرأنا منه عندنا، ما بالنا نركل كل القديم بكنوزه وكأن القديم عار لابد رميه خلف الظهور. مدير احدى المحطات التلفزيونية عندما قيل له ذات يوم ان احد معدي المحطة يعد لحلقة يقابل فيها احد رواد الادب والشعر والثقافة، لكن هذا المدير رفض فكرة الحلقة لاسباب لم يعرب عنها ولم يكشفها لمعده، وبعد سنوات رحل هذا الاديب عن دنيانا ولم يسجل له التلفزيون مقابلة يحفظها الارشيف الوطني في الايام المقبلة .. لا اعرف لماذا يظن البعض منا ان الزمان كله لنا، انه لابناء واجيال سوف تأتي لتسأل وتفتش كثيرا في القديم وما تحت الغبار وتسأل الاسئلة الصعبة. مثل هذا المدير اضاع على الارشيف الادبي والذاكرة الادبية في البلاد دقائق ثمينة كانت ستسجل ملامح ذلك الراحل. ومثله كثيرون ضيعوا وفرطوا في الكنوز الوطنية بقصد او دون قصد.لكن في النهاية كانت هناك الخسارات. لماذا لا ننتبه الى ان الارشيف هذا كنز كبير، ويصبح نادرا وثمينا وصعبا كلما تعتق ومر عليه الزمان؟ ارحمونا من الم الفقد .. برجاء.