الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 طوال اسبوع مضى راوح فيه العالم مناطق القتل والدمار وسفك الدماء، حيث لا جديد على الشاشات وصفحات الصحف، وحيث لا يعني شيئا اذا مات الف شخص جراء فيضان، او قتل عشرة في هجوم مسلح على معبد او استشهد تسعة شبان في اجتياح اسرائيلي، يتكرر كل يوم، التنديد والبيانات ليست سوى ديكور لاستكمال المشهد واللعبة، فالعالم في سباق اليوم مع اميركا والكل يريد تحقيق اكبر قدر من الانتصار في معركة المساومات، وعليه فالعالم لا يعد عدد القتلى وانما يقيس ضغط الادارة الاميركية ليعلم متى سينفجر مفجرا معه المنطقة العربية البائسة المحكومة بالحروب والمؤامرات والاحباطات منذ بداية التاريخ. فرنسا تعارض ضرب العراق ليس حبا في العراق او العرب، وليس لانها دولة صديقة، فالاوروبيون تعلموا من خبرتهم السياسية والعسكرية الطويلة جدا ان لا صداقات دائمة ولا اعداء دائمون، وحدها المصالح باقية وتستحق الدفاع، ولذلك تلوح فرنسا وبشدة بمعارضتها اي ضربة ضد العراق وهي بذلك لا تفعل شيئا سوى المساومة على حصتها من كعكة البترول التي تريد الولايات المتحدة الاستئثار بها وحدها، كما تلوح بحصة شركاتها في عمليات الاعمار واعادة البناء في المنطقة. الصين تلعب مع أميركا على طريقة «كلنا في الهم سواء»، فهذا التنين الاحمر الضخم يعاني من ضربات موجعة توجه اليه من بعض المناطق المسلمة ما يستدعي حتما انضواءه تحت مظلة «السيد الرئيس» الاميركي حامل لواء الدفاع عن الحريات والحضارة المهددة من جانب «الارهابيين الاسلاميين» كما ان الصين تمني النفس باستثمارات اميركية ضخمة ذاقت الصين حلاوتها في السنوات الاخيرة. اما الروس فلهم مع اميركا ثأر لم يجف، وثارات تتجدد، فهم لن ينسوا ابدا ان الامبراطورية الشيوعية الضخمة قد سقطت بفعل معاول الاميركان، وما زالوا يعانون منهم في جمهورية جورجيا حيث يتكاثف الوجود الاميركي العسكري هناك، وبالطبع فالشيشان ليسوا بعيدين عن المعادلة وضرباتهم تقصم ظهر الدب كل يوم، ولذلك فهم يساومون ويقايضون ولكنهم لا يقفون معنا ابدا!. بريطانيا «توني بلير» ليس امامها سوى ان تقول نعم لاي قرار اميركي في ظل هذا التحالف المتين، برغم ان اكثر من 70% من الشعب البريطاني يقول يوميا وبوضوح وعبر استفتاءات رأي مستمرة تنشرها الصحف البريطانية الصفراء والرصينة «لا نريد ان نكون رديفا او معينا لاميركا في ضرب العراق»، لكن توني بلير لا يكاد يسمع، وربما يسمع لكنه يهدف الى شيء آخر، فالانجليز اذكياء سياسيا اكثر مما يعتقد بوش وخبثاء اكثر مما يعتقد العالم، وهم اصحاب نظرية «لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولكن هناك مصالح دائمة» على رأي السياسي البريطاني المحنك ونستون تشرشل. ماذا يحمل الاسبوع المقبل، اذا اخذنا بأدبياتنا التراثية والدينية فلا شيء سوى المزيد من الهرج والمرج وسفك الدماء لان ذلك في الوجدان المسلم العام، احدى دلائل علامات الساعة، اما اذا سرنا وفق تنبؤات السياسة فالامور لا تشير الى انفراج في المواقف المتعلقة بالمنطقة البائسة المحكوم عليها بتلقي الضربات الموجعة عقابا لها على ثرواتها وممراتها وطيبة انسانها، هذا هو مصير المنطقة العربية حتى يمسك الانسان العربي بزمام مصيره ويجاهر العالم بكينونته وحريته وقدراته. لا قمم عربية طارئة ستفيد، ولا اجتماعات وزراء خارجية، ولا بيانات، ولا صرخات عمرو موسى، ولا مهاترات الفضائيات العربية، ولا اي شيء، طالما بقي المارد العربي معتقلا في سجن الجبن وضيق الافق والخوف على المصالح الضيقة، والانغماس الكلي والتام في متاهات عشق الذات والانسحاب من مسيرة التاريخ. نحتاج لان نتحرر من الداخل لنتمكن من رسم مصيرنا ومصير منطقتنا والا فليس امامنا سوى عبودية المصالح وعبث الآخرين بأقدارنا. ishasultan@hotmail.com