الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 في الأسبوع الماضي وفي مهرجان الاسكندرية السينمائي رأيت أمامي حسان عز الدين، وبالطبع كانت صدمة كبيرة، فأنا أعرف أن حسان مات منذ سنوات طويلة. وكان من رأيته نسخة طبق الأصل من حسان عز الدين، واستبعدت أن يكون هذا ابنه فهو يبدو أكبر من ذلك بكثير، وكنت أعرف أن حسان ليس له أخوة. وأردت الهروب من الموضوع بكامله بتفسير اقنعت نفسي به منذ فترة وهو أنني أملك عقلا منهكا، فأنا مهتم ـ وربما ليس بارادتي ـ بأشياء كثيرة. وأعيش حياة كثيرة التفاصيل، وعادة ما أزعم أنني أكثر شخص له صداقات رغم اعترافي بأنني شخص غير اجتماعي. وبهذه الحجة أردت الهروب من حسان عز الدين، لكنه رفض أن يهرب مني. ما زلت أذكر أول مرة قابلته فيها رغم مرور سنوات طويلة جدا. ومن الصعب أن تتذكر اللقاء الأول مع أحد مثقفي الخمسينيات والستينيات، فلقد نجونا معا، وكان تاريخنا متشابكا، ولكن لقائي بحسان كان محددا جدا. كنا في ليلة خريفية وقد سهرنا في بيت سيد جاد بالقرب من قلعة صلاح الدين. وسيد جاد كان قصاصا ومترجما، وكان يعمل في إحدى الشركات الكبرى في أسوان. وقرأ لنا في تلك الليلة بعض قصصه، ومازلت أذكر قصة قرأها لنا صبري موسى، ولا أظنه نشرها. خرجنا نتسكع وقد اقتربت الساعة من الثانية صباحا، ولم نكن نفكر في ركوب الترام أو الاتوبيس فلاشك أنها توقفت. وربما لم يكن لدينا النية لركوب أي مواصلة وقد كنت أسكن حي الحلمية الجديدة الذي كان على بعد دقائق. ونحن واقفون نتحدث، وربما يودع بعضنا البعض اقترب منا مجموعة من الأجانب توقفنا لغرابة الموقف، وكان يقودهم شاب أسمر الوجه ممتلئ الجسم، سألنا عن موعد آخر أتوبيس، فلما أجبناه بالايجاب، سأل عن موعد الترام. ولم يكن سؤاله معقولا، ولذلك علقنا على ما قاله بسخرية، وضحك بعضنا. وتوقف الشاب بعد أن سار مع أصحابه خطوات والتفت اليّ، ولامني على السخرية مناديا إياي باسمي، واختفى، وكأنه ألقى عليّ بفنطاس من الماء. أقسمت أنني لم أقابل هذا الشاب من قبل وكانت الذاكرة أيامها أحد من السيف، وحتى لو حدث هذا اليوم سيكون غريبا. وفيما بعد اكتشفت أن حسان عز الدين رآني ذات مرة وأنا أحيي عبدالله القويري وانصرف فورا لانشغالي بشيء ما، فتذكرني حتى التقينا في حي القلعة هذا اللقاء الغريب. وبعد قليل دهشت للصداقة التي تربط بين الاثنين فلقد كان عبدالله القويري يعتبر الحياة صدقا وصلاة وجهادا ولا أظن أن حسان كان يعتبرها هكذا. وبعد ذلك احترف عبدالله الكتابة وأهدر عشرات الكتب في القصة والرواية والمسرح. وهاجر الى ليبيا وغيرها. وعينته ليبيا وزيرا، ولحسن حظي كان وزيرا مركزيا أيام الوحدة مع ليبيا ويقيم في القاهرة، وكانت القاهرة المدينة التي عاشها تماما وحتى النخاع. أما حسان عز الدين فلقد تخرج من كلية الحقوق، وعلى غير المتوقع طوى شهادته وقصد الى كبار مخرجي السينما في ذلك الوقت بطلب منهم أن يسمحوا له بأن يدرس على أيديهم. وجد هذا فعلا مع صلاح أبوسيف ربما يكون ذلك صدفة، وربما لأن أبوسيف كان جذابا باتجاهه الواقعي في زمن كانت كلمة الواقعية فيه لؤلؤة غالبية، وربما لأستاذية أبوسيف وقدرته الهائلة على افادة الشباب. وعمل حسان مساعدا ثالثا أو رابعا مع صلاح أبوسيف، ولسوء الحظ لا أذكر الفيلم، ولم أعرفه يوما. وأثناء التصوير أبدى أبوسيف ملاحظة بصوت عال، وفوجئ الموجودون في الاستوديو بصوت أعلى يقترح شيئا آخر. وقبل أن ينهي كلامه كان صلاح أبوسيف قد أمره بالخروج من الاستوديو، فلما توقف ليناقش ألقى به العمال الى الخارج. وبدا أن العمل في السينما أصبح مستحيلا فالقصة دوت بين السينمائيين وألحت الأسرة ـ وهي أسرة طيبة ـ على حسان أن يعمل مع أحد أقاربه صاحب أكبر مكتب للمحاماة في ذلك الوقت، لكنه رفض، فقطعت الأسرة معونتها عنه. لكنه لم يأبه، وكان أحيانا ينام الليل تحت أحد كباري القاهرة، وهي تجربة قاسية لم أستطع فهمها أبدا. وفي تلك الفترة لم تكن وزارة الثقافة قد أنشئت بعد، ولكن نواتها الأولى كانت «مصلحة الفنون» وكان يرأسها يحيى حقي، الذي كان محبا لشباب زمانه من المثقفين. وذهب اليه حسان وطلب منه أن يعينه في المصلحة. ورد عليه يحيى حقي ردا لطيفا إذ كان يقصده يوميا عشرات. ولما رأى حسان أن يحيى حقي غير قادر على تعيينه طلب منه أن يسمح له بالتردد على المصلحة. ووافق فورا. ولم يكن في ذلك الزمن آمن كما هو الآن. فكنت تدخل أي مكان دون أن يسألك أحد عن غايتك. واستغل حسان هذا، فكان يتردد على المصلحة يوميا. ثم وجد مكتبا أخذ يجلس اليه. ولما زاد العمل ـ ربما في اتجاه إنشاء الوزارة ـ بدأوا يكلفونه ببعض الأعمال. وبدا أن حسام عزالدين موظف في مصلحة الفنون، وكان قلة يعرفون أنه لا يتقاضى مرتبا. ودخل حسان في خلاف مع نائب رئيس المصلحة انتهى بأن اعتدى حسان عليه بالضرب، فحوله النائب الى النيابة الادارية التي حققت معه، وأصدرت عقابا له، كان أجمل شيء في حياة حسان، فبهذا الحكم رفع قضية ضد المصلحة التي عاقبته كموظف لكنها لم تعطه مرتبا. وعين فعلا في المصلحة. وقفز حسان عز الدين السلم الوظيفي حتى وصل الى منصب وكيل وزارة، وكان أيامها منصبا عزيزا لا يصل اليه إلا قلة. ولم يكن حسان صديقا لي، لكننا كنا نهتم بعبدالله القويري الذي هاجر في تلك الفترة، ولذلك كانت بيننا مساحة من الحوار والتلاقي. وفي تلك الفترة ظهر حسان في حياتي يطلب مني أن أكتب له سيناريو فيلم ليخرجه. وبدا لي الطلب جنونيا، فلم يكن له سابقة في الاخراج سوى سابقة طرده من الاستوديو. أما أنا فلا أظن أنني كنت افكر في شيء كهذا في ذلك الوقت. ولم أكن كتبت أي فيلم ولا شرعت في ذلك. ولم يكن هذا يشغل بالي. وكان حسان يريد عمل فيلم عن طائرة تاهت ونزلت سالمة في الصحراء الغربية، ولكن ركابها عجزوا عن الاتصال بأي مكان، وعجزت الجهات المعنية في الوصول اليهم، فماتوا عطشا وجوعا، وبعضهم ترك مذكرات ورسائل، وهي قصة حقيقية حدثت في تلك الأيام. واعتذرت بكل الوسائل فلقد كانت التجربة أليمة، وما كنت أستطيع أن أعايشها وأكتبها. وكان حسان ملحا بطبيعته، وأذكر أنني كنت أتجنب الأماكن التي كنت أتردد عليها، حتى لا أقابله. وربما كان آخر لقاء بيني وبين حسان عزالدين عندما ذهبت لهدف لا أذكره الى وزارة الثقافة فقابلته صدفة. أخذني الى مكتبه الفخم. وقال لي ان القصة الجميلة التي كان يريدها فيلما أي قصة الطائرة، صورها مخرج آخر. لكنه يتخيل أنني لو كتبت لها السيناريو، وأخرجها هو، ستكون فيلما لا مثيل له. أذكر في هذا اللقاء العابر أن صلاح أبوسيف قال شيئا في صحيفة يبدو أنه نقد لوزارة الثقافة، وانتهزها فرصة حسان فجند كل موظفي الوزارة لاصدار رد قاس، ربما يرد به على طرده من الاستوديو ذات يوم. وذات يوم قرأت نعيه في الجريدة. وذات يوم عرفت أن عبدالله القويري قد توفى. وضاع حسان عزالدين من الذاكرة حتى رأيته في مهرجان الاسكندرية. وطاردتني صورته بعض الوقت ثم ضاعت في الزحام وفجأة كنت جالسا الى الغداء عندما اقترب مني مبتسما وقال: ـ أنا عماد عز الدين يسعدني أن أتعرف عليك! رحبت به وأشرت اليه أن يجلس وبدأ يتكلم، لم يشر الى أبيه، وانتظرت أنا أيضا فلم أشر له. قال انه كان يريد أن يتعرف بي منذ زمن طويل. وأنه يتمنى أن أجد الوقت وأكتب له سيناريو فيلم يخرجه. وأنه يقترح طائرة من طائرات 11 سبتمبر، وماذا حدث فيها منذ ركبها أصحابها حتى انفجارها. قلت له إن حسان عزالدين كان «صديقي». لكنه لم يهتم. كان ما زال يشرح ما حدث في الطائرة وروعة لو تحول الى فيلم سينمائي! قاطعته: ـ هل لك أولاد؟ أجاب بالايجاب. سألت هل هم معجبون بالسينما؟ لم يهتم بالسؤال. قلت له: ـ لا أظن أنني سأعيش حتى يطلبوا مني كتابة سيناريو عن طائرة!