الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 طوال عامين من عمر الانتفاضة الفلسطينية اعتاد غالبية المتابعين والمحللين التركيز على بطولاتها ومآثرها والمبالغة في تحميلها أكثر مما تحتمل، وذلك على حساب التحليلات التي تتناول الجانب الآخر لها، والمتعلق بالتركيز على الصعوبات والتضحيات، التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، كما على المعضلات والإشكاليات التي تعاني منها هذه الانتفاضة في هذه الظروف الصعبة، دوليا وإقليميا. الآن ومع مرور عامين، على اندلاعها، تبدو الانتفاضة بحاجة ضرورية إلى إنتاج خطاب جديد ينتقل من الحديث عن البطولات إلى الحديث، أيضا، عن المعاناة والمشكلات، ومن اللغة الخطابية إلى لغة البيانات والإحصائيات، ومن رفع الشعارات إلى وضع الخطط والاستراتيجيات التي تمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق أهدافه في هذه المرحلة. المعنى من ذلك أنه حان الوقت لدراسة مشكلات الانتفاضة وتفحّص الإشكاليات التي تواجهها، للتعاطي معها بمسئولية أكبر، باعتبارها ليست قصة للبطولة فقط، فهي مع هذا، تتضمن الكثير من القصص المأساوية. فمنذ أكثر من عامين، وبالخصوص منذ الأول من ديسمبر من العام 2001، واسرائيل، بجبروتها، تستفرد بالشعب العربي الفلسطيني الذي يدافع بحجارته وبأسلحته البسيطة وبإرادته عن وجوده وحقوقه وحريته، برغم عدم التكافؤ في القوى وبرغم كل أشكال الحصار والتقتيل والتدمير المادي والمعنوي. وقد أدت هذه المواجهات إلى استشهاد أكثر من ألفين من الفلسطينيين، وإصابة حوالي 40 ألفا منهم بجروح متفاوتة، كما تم اعتقال أكثر من عشرة آلاف فلسطيني. وخلال العامين الماضيين دمرت اسرائيل، تدميرا كاملا أو جزئيا، أكثر من 5 آلاف بيت ومنشآة، وأتلفت عشرات الألوف من الأشجار، وجرفت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، وحدت النشاط التجاري وفرص العمل وحالت دون وصول العمال إلى عملهم والطلاب إلى مدارسهم بصورة كلية أو جزئية. وإجمالا فقد قدرت الخسائر الاقتصادية الفلسطينية بحوالي 15 ـ 20 مليون دولار يوميا، أي حوالي 450 ـ 600 مليون دولار شهريا، وأكثر من 5 مليارات سنويا، وأفقر المجتمع الفلسطيني الذي يخضع لحصار مشدد والذي بالكاد يجد لديه ما يفي بقوت يومه. وعلى الصعيد السياسي باتت قضية الشعب الفلسطيني مهددة فعليا بالتصفية إذ قلبت اسرائيل بدعم من الإدارة الأميركية الوضع رأسا على عقب، ولم تعد المسألة مسألة إزالة الاحتلال، على الاجندة الدولية، وإنما باتت قضية إصلاح لبنية ومؤسسات السلطة الفلسطينية وتغيير للقيادة الفلسطينية، والأنكى من ذلك أن هذا يجري واسرائيل تتنصل من عملية التسوية برمتها، وتمعن في تدمير المؤسسات الفلسطينية وتعزل الرئيس ياسر عرفات أمام العالم أجمع. منذ البداية كان ثمة إشكالية كبيرة تواجهها الانتفاضة، ففي هذه المرة يواجه الشعب الفلسطيني اسرائيل، المجتمع والدولة في آن معا، لأسباب عديدة منها: أ- قيام حكومة وحدة وطنية تجمع الليكود وحزب العمل وحركة شاس وحزبي المهاجرين الروس، وقد نجحت هذه الحكومة باستقطاب معظم فئات المجتمع الاسرائيلي. ب- انحسار دور اليسار وقوى السلام الاسرائيلية (على محدوديتها) بسبب دخول حزب العمل بزعامة بيريز إلى الائتلاف الحكومي، وتضعضع قوى اليسار، بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد2 والتي كشفت عدم نضجها ورياءها بتحميلها الفلسطينيين مسئولية هذا الفشل وأيضا مسئولية اندلاع الانتفاضة ونجاح شارون. ج- ولكن الأهم من هذا وذاك أن المجتمع الاسرائيلي أفصح عن عدم نضجه للتسوية مع الفلسطينيين بانتخابه شارون رئيسا لحكومته وبموافقته على الممارسات الوحشية ضد الفلسطينيين. ويمكن تفسير ذلك بأن هذا المجتمع الذي تشرب المبادئ الصهيونية: الاستيطانية والعنصرية والإرهابية وعدم الاعتراف بالآخر، يشعر بأنه في هذه المرة يخوض معركة الدفاع عن وجوده! أي ليس عن نابلس ورام الله والخليل، وإنما عن وجوده في يافا وحيفا والجليل وتل أبيب، وعن مبرر هذا الوجود، وساهم في ذلك، خصوصا، وصول الاسرائيليين (مجتمعا ودولة) إلى لحظة الحقيقة أي إلى مرحلة التفاوض على الحل النهائي لتحديد حدود اسرائيل: الجغرافية والبشرية والسياسية. وفي الواقع فإن الفلسطينيين، يخوضون صراعا فريدا من نوعه مع عدو له امتدادات دولية وخلفية أيدلوجية تنطلق من أنه صاحب الحق في أرض فلسطين، والمشكلة أن هذا الاعتقاد لا يتوقف على النخب السياسية الاسرائيلية وإنما يشكل حيزا مهما في إدراك اليهود المستوطنين. وعليه فإن الصراع هنا هو أيضا صراع مع المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة، والذي يتماهى مع أيديولوجيتها ومبرراتها وسياساتها، كما أن هذا الصراع لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو على إشارات الدولة أو على الأراضي (الجغرافية)، وإنما هو صراع يشمل مختلف الرموز والرواية التاريخية والثقافة والمعتقدات الدينية، وهو صراع حاولت فيه الحركة الصهيونية وتحاول فيه اسرائيل إنهاك الشعب الفلسطيني وافناءه والغاءه أو تغييبه وصولا إلى شطبه من الخريطة السياسية. وتنبع من هذه الاشكالية، أيضا، اشكالية اخرى إذ أن انقسام الانتفاضة، وغياب استراتيجية سياسية ونضالية مشتركة لها، سهل على شارون ترويج ادعاءاته، بشأن اعتبار المواجهات مع الفلسطينيين، بمثابة حرب وجودية، تدافع فيها اسرائيل عن أمنها ووجودها. ولا شك هنا أن انتهاج طريق العمليات الاستشهادية سهل على شارون تحشيد المجتمع الاسرائيلي وراءه، كما سهل عليه تغطية جرائمه وإرهابه ضد الفلسطينيين، على الصعيد الدولي، مستغلا المناخات الهستيرية للحرب الأميركية ضد الارهاب. وبالطبع فإنه يجب التمييز بين الموقف من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال والموقف من العمليات الاستشهادية، فالمقاومة ضد الاحتلال، بكل أشكالها، هي حق مشروع للشعب الفلسطيني، والقضية هنا تتعلق بالجدوى السياسية لكل شكل نضالي. ويستنتج من ذلك أن الشعب الفلسطيني كان يجب أن يكون أكثر حرصا باختيار الشكل النضالي الذي يفضح الطابع الاستعماري والعنصري لدولة اسرائيل على الصعيد الدولي، والذي يقوض الفكرة الصهيونية في المجتمع الاسرائيلي، ويخلخل جبهة العدو، والذي يمكنه، أيضا، وهو الطرف الضعيف، من حرب طويلة الامد تجنبه ردات الفعل القاسية والدخول في معركة تستنزف قواه، وكانت استراتيجية المقاومة المسلحة هي الأجدى له في هذه الظروف الصعبة وغير المواتية. وهو ما لم يلتفت إليه كثير من المحللين في غمرة حماسهم للانتفاضة. وبشكل عام فإن انتفاضة الأقصى تعاني من الإشكالية الأساسية للصراع الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني، والتي تتمثل في الاختلال الفادح في موازين القوى بين الطرفين، لصالح اسرائيل، من ناحية القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، هذا فضلا عن تمتع الدولة العبرية بقوة مضافة بحكم انتمائها للغرب، وبحكم العلاقات الاستراتيجية الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة الأميركية. وفي الواقع فقد بنيت اسرائيل على قياس يمكنها من مواجهة الوضع العربي، بخاصة ما يسمى ببلدان الطوق. ومعنى ذلك أن توفر الإرادة والاستعداد العالي للتضحية والمقاومة لدى الفلسطينيين يوفران الشرط الذاتي لزعزعة استقرار اسرائيل ورفع كلفة وجودها الاستيطاني والاحتلالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن انتصار الشعب الفلسطيني وتحقيق أهداف انتفاضته، في هذه المرحلة، يتطلبان توفير الشرط الموضوعي المتمثل بتوفر المعطيات السياسية العربية والدولية المواتية، فهذان الشرطان هما اللذان يوفران الشرط الكافي المتمثلة بدحر الاحتلال ونيل الاستقلال. على الصعيد الفلسطيني، أيضا، وإضافة لاشكالية العمليات الاستشهادية، افتقدت الانتفاضة للقيادة السياسية بمعناها الاستراتيجي، فالقيادة الفلسطينية ممثلة بالرئيس عرفات، كانت معنية بالانتفاضة، وفي الواقع فهي التي تقف وراءها وهي التي رعتها، كما بينت التجربة، ولكنها أيضا كانت معنية بالتسوية. والمشكلة أن الرئيس عرفات لم يكن معنيا بقيادة الانتفاضة مباشرة، بسبب حساباته وبسبب من كونه رئيسا للسلطة التي قامت بناء على اتفاقات دولية، وقيودات اسرائيلية، وبرغم ذلك فإن عرفات لم يسمح كعادته ببلورة إطار مستقل لقيادة الانتفاضة، كما ظهرت مشكلة ثانية له تمثلت بوجود قوى معارضة تنتهج العمليات الاستشهادية، وهذا الأمر لم يكن قادرا على الحسم بشأنه. وهكذا فإن غياب قيادة سياسية للانتفاضة والافتقاد لتوافقات سياسية بشأن استثمارها وبشأن أشكالها النضالية أضعف قوى الانتفاضة وبلبل الشارع الفلسطيني، وهدر كثيرا من طاقات الفلسطينيين. أما إشكالية الانتفاضة على الصعيد العربي فتنبع من هذا التناقض بين كون القضية الفلسطينية قضية عربية، من الناحية النظرية، وبين ضعف الالتزام، على الأغلب، بهذه القضية، من الناحية العملية بحيث باتت اسرائيل تستفرد بالشعب الفلسطيني وتمعن فيه قتلا وتدميرا. وبالطبع فإن المطلوب من النظام الرسمي العربي لا يصل حد المطالبة بشن حرب على اسرائيل، في هذه الظروف والمعطيات، فقد أثبتت التطورات الحاصلة أن البديل عن استمرار خيار الحرب ضد اسرائيل، ليس بالضرورة يتمثل بانتهاج خيار الانصياع للمطالب الاسرائيلية، المدعومة أميركيا، فثمة خيارات أخرى تتمثل باستمرار المقاومة والممانعة للوجود الاسرائيلي وللاملاءات والتحديات التي يفرضها هذا الوجود من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية. وعموما فقد اتسمت ردة الفعل العربية على الانتفاضة بالروح الانفعالية المشحونة بالغضب على العدو الاسرائيلي، من دون تحويل هذا الشحنة إلى حالة إيجابية منظمة ومستمرة، ما يعني أن العطالة في دعم الانتفاضة لا تتوقف على النظام السياسي الرسمي وإنما هي تطال المجتمعات الشعبية ونخبها السياسية والثقافية والاقتصادية. على الصعيد الدولي ثمة إشكالية كبيرة تعاني منها القضية الفلسطينية، كما تعاني منها انتفاضة الأقصى، ذلك أن هذه القضية بحد ذاتها قضية دولية، فقد نشأ الكيان الصهيوني أساسا في رحم المشاريع الاستعمارية إزاء المشرق العربي، وتمت صناعة الدولة العبرية بفضل الجهود الاستعمارية ـ للدول الغربية. وعليه فإنه بسبب هذه العلاقات والروابط التاريخية والسياسية، يبدو الصراع ضد اسرائيل، صراعاً يمس بمصالح الغرب في المنطقة. وعموما فإن الدول الغربية تميز بين حق اسرائيل في الوجود وفي الأمن والاستقرار وبين شكل هذا الوجود، ولذلك فهي تميز بين التعاطف، أحيانا، مع الشعب الفلسطيني في مواجهته للانتهاكات الاسرائيلية لحقوقه وبين الصراع الذي يخوضه هذا الشعب ضد اسرائيل. وزاد الطين بلة، بالنسبة للانتفاضة، الزلزال الدموي الحاصل في الولايات المتحدة الأميركية، يوم 11/9 ومحاولة اسرائيل استغلال هذا الحدث لتشويه صورة النضال العادل والمشروع للشعب الفلسطيني ولتأكيد انتمائها للغرب وادعاء أنها تدافع في المنطقة عن قيم الحرية والديمقراطية ضد عالم البرابرة والاستبداد والأصولية! تلك هي باختصار بعض الإشكاليات الأساسية التي تعاني منها الانتفاضة والتي تتطلب تضافر الجهود لحلها أو تجاوزها لتمكين الشعب الفلسطيني من مواصلة نضاله وتمكين الانتفاضة من تحقيق الأهداف المرجوة منها. ـ كاتب فلسطيني