الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 بين حمى الاندفاع وحكمة الانضباط تتأرجح موازين السياسة الخارجية الأميركية في هذه الأيام حيث الصقور الذين يدقون مع مطلع كل شمس طبول الحرب داعين ـ كما هو معروف ـ الى ضرب العراق والى مواصلة دعم اسرائيل والى تكريس الدعوة التي ارتفعت عقيرتها في غمار أحداث سبتمبر وتقول في نوبات شبه هستيرية: من ليس معنا فهو.. اذن مع الارهاب وكأنها تردد: من لا يستخدم يديه وأصابعه في التصفيق لما نفعله من تعبئة الجيوش وشهر الاسلحة وتعبئة القوات فهو انما يستخدم يديه لكي يدبر بهما أمرا في خفاء أو يستعمل اصابعه لكي يحيك بها مؤامرة تستهدف أمن أميركا وسلامة شعبها. ولقد يبلغ أمر هذا الاندفاع المحموم وهذا التسابق المتدافع نحو الاحتكام الى السلاح حدودا اصبحت ـ للحق ـ مثارا لدهشة اطراف شتى في طول عالمنا وفي عرضه ومنها أطراف تحترم الولايات المتحدة وتنظر، ولعلها لا تزال تنظر ـ بعين التقدير الى ما احرزته أميركا من منجزات بل وفتوحات احيانا في ميادين الكشف العلمي والتطوير التكنولوجي والتقدم الطبي إلى اخر ما يفيد الإنسانية ويعزز الحضارة ويكفل مزيدا من الرخاء والرفاه للأمم والشعوب. بيانات مرفوضة ومن هذه الحدود المتمادية تلك البيانات التي صدرت في الفترة القريبة الماضية عن جماعات من المثقفين الأميركيين وفيها من الآراء ما يستغرب المحلل السياسي صدوره عن مفكر يحترم رأيه أو مثقف يعي بحق مسئولياته، ذلك لانها آراء تزين لصقور أميركا ان يستمروا في غلوائهم ومنها ما يستعيد مقولات الامبراطوريات الاستعمارية العتيقة في اسوأ عهود المد الامبريالي التي انقضت الى غير رجعة.. وكلها ـ البيانات الراهنة والمقولات الامبريالية ـ صدرت عن منطق من الاستعلاء العنصري المقيت. وبيانات أصحاب الضمائر لا عجب ان يتصدى لها لفيف من صفوة مفكري أميركا أنفسهم فيحاولوا الرد عليها أو التخفيف من وقعها ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.. وذلك من خلال البيان الذي اصدروه مؤخرا تحت العنوان الشهير (ليس باسمنا) كناية على أن ما تقدم عليه الادارة الحالية في البيت الأبيض من سلوكيات التهديد بالحرب لا يعبر عن آراء هذا التيار الموضوعي كما نراه من مثقفي أميركا وفلاسفتها ومبدعيها ومفكريها وأساتذتها. (من الموقعين على هذا البيان البروفيسور شومسكي والكاتب فيدال). ولقد يعجب المحلل السياسي ازاء ما آلت اليه أمور السياسة الخارجية الأميركية من الوصول الى مستوى من غرور الجبروت أو عنجهية القوة لدرجة لا يمكن سوى ان تعيد الى الاذهان سلوكيات الامبراطوريات الكبرى التي شهدها تاريخ البشرية الطويل لا فرق في هذا بين الامبراطورية الرومانية في عهود القياصرة وكانوا يستخدمون كتائب المرتزقة أو الامبراطورية التركية في عهود سلاطين بني عثمان وكانوا يستخدمون كتائب الانكشارية أو الامبراطورية البريطانية، وكانت تستغل كتائب ابناء المستعمرات من جنود الموريشان الى فرق فرسان البنغال الى الامبراطورية الفرنسية الاستعمارية التي كانت تستخدم جنود الفرقة الأجنبية (لجيون اترانجير) وكان وقودها بدورها هم الجنود من ابناء المستعمرات في جنوب اسيا وغرب افريقيا ومناطق المغرب العربي الكبير. وسط هذه التهديدات بشن الحرب وتحريك القوات يقف العقلاء في أميركا مرددين القول المأثور: ـ أيها السادة رويدكم قليلا.. وأرجو أن تذكروا جيدا مقولة انك تستطيع ببساطة ان تشعل حربا ولكنك لن تستطيع بالبساطة نفسها ان تخمد نيرانها. قال بطرس غالي والمعنى ان تكاليف ما بعد الحرب قد تكون افدح بكثير من تكاليف آلة الحرب ذاتها.. الحرب في زماننا لم تعد بداهة معارك الكر والفر.. ولا صولات الاغارة أو جولات الاجتياح.. يأتي الجنود ويذهبون.. ولقد كان للدكتور بطرس غالي، الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة الفضل في تنبيه الاذهان الى هذا الجانب من تكاليف الصراعات المسلحة ومسئولياتها ولما كان بطرس غالي استاذا في الأصل للعلوم السياسية فقد عمد خلال سنوات ولايته الى لفت الاهتمام الى حقيقة جوهرية تقول: ـ ليس المهم انهاء أو اخماد أو فض المنازعات أو الصراعات في حد ذاتها وصولا للسلام بل الأهم هو بناء السلام في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع. رأي أكاديمي بارز وفي هذا السياق بالذات صدر في أميركا مؤخرا كتاب بعنوان: (بعد النصر: المؤسسات والانضباط الاستراتيجي واعادة بناء النظام بعد الحروب الكبرى). والواضح من عنوان هذا الكتاب ان مؤلفه وهو أكاديمي أميركي بارز، هو البروفيسور (جون اكنبري)، استاذ علم السياسة والعدالة الدولية في جامعة جورج تاون ـ واشنطن ـ يحذر من جنوح السياسة الأميركية ـ خاصة بعد احداث سبتمبر 2001 الى ما اصبح يعرف في ادبياتهم بمصطلح (نيو امبريالية) وقد نترجمها من جانبنا على انها (نزعة الهيمنة الامبريالية الجديدة) تلك التي اصبحت تطل برأسها من بين ثنايا بنية الحكم والقرار والسياسة في واشنطن. وامثال الاستاذ جون اكنبري ما برحوا يحذرون القائمين على هذه المنظومة الحاكمة في أميركا من الخلط بين شعار محاربة الارهاب وهو شعار له مشروعيته ووجاهته ومبرراته في رأيهم وفي رأينا أيضا من منظور استقرار السلام وتطور الحضارة وصون الأرواح البشرية والموارد الاقتصادية للشعوب عن مغبة الضياع والاهدار ـ وبين استغلال محاربة الارهاب من أجل تنفيذ اجندات وتحقيق مصالح لا علاقة لها بحرب الارهاب واقرار الأمن والسلام والسلامة للشعب الأميركي بل ولسائر الأمم والشعوب. حكاية حرب الاجهاض لقد اتخذوا هذا الشعار مطية وتكئة للترويج في ظله لدعوات خطيرة اخرى في مقدمتها ان على أميركا المبادرة الى شن حرب هنا أو هناك.. وما أكثر ما تسارع ماكينات التبرير لكي تضفي على تلك الحروب لفظة وقائية أو اجهاضية أو استباقية واحيانا لا تتورع دوائر التبرير أو التسويغ فتطلق عليها وصف الحرب.. الدفاعية.. ويعلم الله ان هذه الماكينات الخبيثة انما تستخدم كل هذه الدعوات وكل هذه التبريرات من أجل استغلال شعاراتها ومردودها في الحملة الانتخابية التي اصبحت قاب قوسين أو أدنى حيث انتخابات التجديد النصفي لاعضاء الكونغرس في نوفمبر المقبل، ثم في الانتخابات الرئاسية الوشيكة التي سوف ينصب مهرجانها مع حلول عام 2003 وتقرع اجراس جولاتها الأولى في يناير من ذلك العام.. وتهدف بالطبع الى تقديم جورج دبليو بوش الى جماهير الناخبين في اهاب القائد المظفر (منتصرا كما يرجو ولو على بلد من اقطار العالم الثالث) والرئيس الحازم الذي لا يقصر في صيانة أمن البلاد والعباد حتى ولو انفرد البيت الأبيض بالرأى.. وحتى لو كان سلوكه وقراراته من جانب واحد وعلى حساب مبادئ الشراكة وتعددية الأطراف التي ظلت واشنطن تصدع بها أدمغة هؤلاء العباد واصقاع تلك البلاد! وفيما حرص بوش الأب في حرب تحرير الكويت على تكليف وزير خارجيته أيامها ـ جيمس بيكر بانشاء تحالف ائتلافي دولي واقليمي وعكف الوزير المقتدر على بنائه لبنة من فوق لبنة وعلى امتداد أشهر عديدة بل قام هذا البناء على أساس توافق بين الآراء استطاع بيكر التوصل اليه في مجلس الأمن الى ان وصل المجلس ـ بالأدق وصل بيكر بالمجلس الدولي ـ الى حقيقة استنفاد الفرص التي اتيحت وقتها لقيادة العراق، ومن ثم ارتأى المجلس الاحالة الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وكان ذلك بمثابة تفويض وضعه جيمس بيكر في جيبه واتخذه مبررا وجيها وحجة دامغة اقتنعت بها معظم الأطراف ذات الصلة. بين الحرب والنظام الدولي ولو رجعنا الى الأسس الجوهرية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة لوجدناها تعود الى اربعينيات القرن الماضي ـ وخاصة بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. والمعروف ان الحروب ـ الكبرى بالذات هي التي تسفر بحكم منطق الصراع المتسع عن اعادة رسم خريطة العالم واعادة توزيع قواه الفاعلة المؤثرة في مقاليد أموره.. ولقد نذكر ان الحرب العالمية الأولى اسفرت عن سقوط أربع من الامبراطوريات الكبرى التي كانت مؤثرة وفاعلة في العالم حتى مطلع القرن العشرين وهي امبراطورية الهوهترلورن في ألمانيا ـ القيصرية وامبراطورية، الهابسبورغ في النمسا والمجر وامبراطورية رومانوف في روسيا ـ ماقبل الثورة البلشفية ثم امبراطورية بني عثمان في اسطنبول. بعد الحرب العظمى الأولى ظهر نظام دولي جديد كان مجسدا في عصبة الأمم ولكنه لم يحل مشاكل العالم حيث ظل الاستغلال الاستعماري قائما بل مستشريا من جانب الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية فيما عادت الولايات المتحدة الى عزلتها وتعين على أميركا والعالم ـ ألمانيا بالذات مواجهة اسوأ أزمة من الكساد الاقتصادي في ختام العشرينيات وفي غمار تلك الأزمة كان صعود هتلر والحزب النازي وعادت جمرات الصراع الدولي تشتعل من جديد فاندلعت الحرب العالمية الثانية التي امتدت حتى عام 1945 وبعدها ـ قام النظام الدولي الذي ما زال مستمرا ـ بصورة أو بأخرى حتى أيامنا ولكن صورته الأولى في نسخته الاصلية كما قد نسميها قامت على اساس ثنائية القطبين أميركا والاتحاد السوفيتي. وفي ظل النظام الدولي المذكور رسموا في واشنطن معالم السياسة الخارجية للولايات المتحدة فقامت منذ ذلك الحين على أساس ـ ركيزتين: الأولى سياسة الاحتواء والردع والحفاظ على توازن القوى بين معسكر الغرب الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة ومعسكر الشرق (الشيوعي) بقيادة الاتحاد السوفيتي وكان من الطبيعي ان يستهدف العنصر الاول من تلك السياسة احتواء الخصم السوفيتي وحصر الدب السوفيتي بعيدا عن المياه الدافئة، وعندما نمت أواصر التعاون بين الكرملين وحركة التحرر القومي العربية في الخمسينيات والستينيات وتجسدت في الامداد بالسلاح وفي اقامة صروح التنمية (سد أسوان العالي في مصر على سبيل المثال) كان في ذلك وصول الدب السوفيتي الى المياه الدافئة في البحرين الأبيض والأحمر ومن ثم في المحيط الهندي ورأت واشنطن في ذلك الخروج على سيناريو الاحتواء الأميركي خطيئة سياسية لم تغتفرها للجانب العربي بزعامة عبدالناصر ومن ثم كان القرار بتدمير هذه الزعامة العربية في حرب حزيران يونيو (بصرف النظر عما تكون قد ارتكبته تلك الزعامة العربية من خطأ في الحسابات). أما الركيزة الأساسية الثانية لسياسة أميركا الخارجية فكانت تدور حول دعاوى الديموقراطية (الليبرالية) واقتصاديات السوق وتوخي أسلوب الانفتاح في المبادلات التجارية. وفيما تجسدت الركيزة الأولى لسياسة أميركا الخارجية في انشاء حلف شمال الاطلسي (الناتو) بوصفه المؤسسة الدفاعية للمعسكر الرأسمالي خلال الحرب الباردة، فقد تجسدت الركيزة الثانية في تلك الاستراتيجية الأميركية في قيام مؤسسات (بريتون وودز) الشهيرة ممثلة في المثلث المالي الدولي واضلاعه هي البنك الدولي للانشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي ثم المؤسسة المالية الدولية.. وفي غرب أوروبا قامت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وصولا الى ماتم في السنوات الاخيرة من قيام منظمة التجارة العالمية. الخطر على النظام الدولي والمشكلة ان هذا النسيج المتكامل الذي تشكلت فيه سياسة أميركا في المجال الدولي بات مهددا بالانفكاك وخاصة في ضوء دعاوى الصقور التي ارتفعت بعد 11 سبتمبر داعية أميركا الى ان تأخذ أو بالأدق تجمع في ايديها كل مقاليد الأمور وكل خيوط التصرف منفردة بغير رأى من شريك ولا اصغاء الى نقد أو تقييم أو الى مشورة أو نصيحة بل قد يعمل أمر هذا الانفراد الى حد ان تتولى أميركا دور الشرطي الذي يحصر شبهاته في هذا الفرد أو ذاك.. في هذه الدولة أو المؤسسة أو تلك ويضاف الى ذلك دور المدعي الذي يوجه الاتهام فضلا عن دور القاضي الذي يصدر من جانبه الأحكام دع عنك دور مسئول التنفيذ. هذه الأدوار كلها تشكل فيما بينها قوام الرؤية النيو ـ امبريالية على نحو مايسميها البروفيسور (جون اكنبري) (في أحدث دراسة نشرها بمجلة الشئون الخارجية ـ فورين أفيرز، عدد سبتمبر/ أكتوبر 2002). انها رؤية الهيمنة المغرورة.. رؤية السيطرة المدلة بقوتها بل جبروتها ويصفها الاكاديمي الأميركي على النحو التالي: - في اطارها تتصرف الولايات المتحدة بدافع من خيلاء الغرور فتعين نفسها في دور تضطلع به على صعيد العالم كله حيث تتولى بمعرفتها وضع المعايير وتحديد التهديدات واستعمال القوة واخماد صوت العدالة.. هي رؤية تصبح السيادة في اطارها ميزة مطلقة بغير ضابط أو رابط بالنسبة لأميركا فيما تظل السيادة مشروطة ومحدودة (ونسبية) في حالة الدول الاخرى التي قد تحدثها نفسها برفض أو تحدي هذه المعايير التي عمدت أميركا من جانب واحد الى رسم معالمها وحدودها. ويمضى الاستاذ اكنبري في تحذيره قائلا: - ان هذه الاستراتيجية الكبرى التي نشهد ولادتها حاليا في أميركا حيث تقوم على أساس نزعة السيطرة الامبريالية المستجدة ـ تهدد بانهيار وتفكك نسيج المجتمع الدولي كما نعرفه حاليا وتهدد بدمار الشراكات السياسية بالذات في الوقت الذي تشتد فيه حاجة هذا المجتمع الدولي الى تلك الشراكات.. وبالحاح شديد ان هذا النهج (الذي تتبعه ادارة بوش حاليا) نهج محفوف بالخطر ومن شأنه ان يمنى بالفشل في ارجح الاحتمالات ذلك لانه نهج ـ كما يصفه استاذ العلوم السياسية في جورج تاون ـ متهافت سياسيا وضار دبلوماسيا. ولو استلهمنا للحكم عليه دروس التاريخ لقلنا انه سوف يفجر جذوة العداء لأميركا ويحشد قوى المقاومة ضدها لدرجة تجد فيها أميركا نفسها وقد أحدق بها وسط عالم أكثر عدوانا وأشد انقساما. و.. هكذا حذر مثقف أميركي بارز.. بل بادر الرجل الى اراحة ضميره فنشر تحذيراته هذه ـ من منطلق حرصه على مصلحة بلاده ـ في أهم مطبوعة معنية بالسياسة الدولية والشئون الخارجية وأكثرها رصانة وتأثيرا.. فهل تلقى تحذيراته هذه أذانا مصغية أم تمضي صرخة في وادي الضياع؟! ـ كاتب سياسي مصري