الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 اختلطت الأمور.. وساحت المفاهيم.. واختلت المقاييس! الصغار بين يوم وليلة اصبحوا كباراً.. والكبار.. بين يوم وليلة ايضا.. انسخطوا فصاروا صغاراً.. رغم احجامهم المنتفخة طولا وعرضا.. ورغم انف شهادات الميلاد التي تؤكد أنهم كبروا بل وشاخوا من زمان..! صغار هذا الزمان تخطوا أعمارهم فانتفضوا.. وحققوا ما عجز الكبار عن تحقيقه، وكبار هذا الزمان تضاءلوا وتضاءلوا فتصرفوا تصرف الذين لم يغادروا مرحلة «البامبرز» بعد..، فانكشفوا وانكشف ان من خدعونا طويلا بشحومهم ولحومهم وأرهبونا بأشنابهم التي تقف عليها أسراب الصقور.. ليسوا الا عيالا عند الشدائد.. فئرانا في مواجهة الخطوب.. صغاراً رغم ارتفاع قاماتهم وانتفاخ كروشهم! جميل ان ترى صغيرا يعيش اكبر من سنه، يفكر كما يفكر الكبار.. ويتصرف تصرف العقلاء.. و(حاجة تكسف) ان ترى فحلا.. في سنّه وفي مركزه.. تهتز الارض تحت قدميه كلما خطا خطوة، فاذا ما ادلهمت الأمور ووقع المحظور.. واستغاث به المنكوبون قائلين «وافحلاه».. تراه انكمش كما الفأر.. وارتعشت ركبتاه كمن مسه تيار كهربائي.. وارتعدت فرائصه كبردان في عز الشتاء، ثم ولّى الأدبار تاركا الفريسة للوحش.. والذبيحة للجزار، داعياً الفريسة الى الصبر والاستسلام.. ناصحاً الذبيحة بقراءة الشهادتين.. ومؤكدا على الجزار بضرورة ذكر اسم الله قبل الذبح..!! وفي الوقت الذي ضرب فيه الصغار أروع الأمثلة في البطولة والتضحية بأرواحهم في سبيل التمسك بحقوقهم المشروعة في الحياة على أرض الوطن، نرى الكبار وقد ضربوا أخيب الأمثلة في التخاذل مضحين بأرواح شعوبهم في سبيل التمسك بكراسي الحكم وأبهة السلطة والسلطان..! وفي الوقت الذي يستأسد فيه الكبار ويستخدمون اشد وسائل البطش والقمع في وجه كل من يعترض على هذه الخيبة التاريخية الكبرى، نراهم باسمين في وجه المعتدين.. معانقين للسفاحين.. داعين اياهم بلطف وادب شديدين الى السلام الذي يؤكدون انه الخيار الوحيد الذي لا خيار غيره ولا بطيخ سواه..! في الوقت الذي يحقق فيه الصغار أروع الانتصارات ولا سلاح عندهم سوى حناجرهم وحجارتهم، نرى جيوش الكبار الجرارة وأسلحتها التي اشتريت بثمار عرق الغلابة تجلجل وتزأر جنازيرها وهي تستعرض قوتها في احتفالات الكبار (التي ينسبونها عادة الى الشعب)، فاذا ما دقت طبول الحرب.. ودعا داعي الجهاد ونادى المنادي (أمجاد يا عرب أمجاد)، اصيبت هذه الجيوش بالكساح.. ولاذت أسلحتها بالصمت، فاذا ما تحركت يوما تحركت وفقا للحكمة القائلة «الاقربون أولى بالمعروف».. و«المعروف» في عرف هذه الاسلحة هو الرصاص والقذائف التي توجه الى «الاقربون» الذين هم الشعب، بدلا من «الابعدون» الذين لا يستحقون هذه النعمة. الصغار هم صغار.. ولا ذنب لهم في ذلك، فاذا ما تصرفوا تصرف الكبار وأصبحوا كباراً بأعمالهم فخير وبركة، أما الذي لا هو خير ولا هو بركة.. وهو المشكلة الحقيقية، فهو هؤلاء الكبار.. سنا.. وموقعا.. ومنصبا، حين ينسخط الواحد منهم الى وضع الـ «كي جي ون»، فحاس واحتاس.. وضرب أخماسا في أسداس.. بحثا عن حل لأزمته قبل أزمات الناس، فقد تولى الحكم متصوراً ان قضيته الاولى هي كيف يحافظ على كرسي هذا الحكم، وان ما عدا ذلك ليس من اختصاصه، وبالتالي فان مطالبته بموقف وطني او قرار مصيري اجحاف بحقه في الحياة جالسا على هذا الكرسي.. متمتعا بأبهة السلطان.. غارقا في طوفان المديح الاعلامي المتوالي من أجهزة اعلامه، وهو المديح الذي يبدأ بالكذب الفاضح القائل ان الحاكم هو ظل الله على الارض.. وهو البطل.. القائد.. الملهم.. الحكيم.. العادل، ولولا الخجل لامتدت هذه الصفات حتى تعادلت مع أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وينتهي بأن يصدق الكبير أكاذيب اعلامه.. ويعتقد انه فعلا بطل.. وقائد.. وزعيم.. وملهم.. الخ.. الخ.. !! وحتى اشعار آخر.. سيظل بعض الصغار كباراً بأعمالهم وتوجهاتهم.. وسيظل بعض الكبار صغاراً بأعمالهم وتوجهاتهم.. وسبحان من يغير ولا يتغير..!!