الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 تاريخنا الحديث مع الغرب حافل بالمؤامرات والخطط الهادفة للسيطرة على وطننا العربي، والسعي لتجزئته الأبدية، ووضعه بين شقي رحى: إما ديمومة التخلف والتبعية للأوروبي، والوقوف أبداً خلف بوابة العصر، أو التحديث على النمط الأوروبي، ومسخ الهوية، واسقاط الانتماء للحضارة العربية الإسلامية، مثلما حدث في تركيا بقيادة نخبة «يهود الدونمة». لم يبدأ العربي علاقته مع الأوروبي أبداً بالعداء، بل كان له السبق في نسج عرى الحوار والتواصل الحضاري، إبان عصور النهضة العربية، فيما أوروبا كانت غارقة في ظلمات عصرها الوسيط. بالعداء والرغبة في السيطرة على موارد العرب واخضاعهم للسلطة الأجنبية، قدم الأوروبيون إلى وطننا، في موجات استعمارية تتوالى، ما تكاد احداها تنكسر على شواطئنا، حتى تضربها موجة أخرى. وبالخديعة والنكران قابل المستعمر الأوروبي دائماً جميل العرب، وحسن ظن بعض قادتهم بهم. فلقد قابل الاستعمار الغربي وقوف «الفرس الشقراء» العربية، الاسم الرمزي للثورة العربية إلى جانب الغرب في الحرب العالمية الأولى؛ بكسر سيقانها، وإطلاق رصاصة الرحمة عليها، ووضع وطننا على مائدة التقسيم الشهيرة بمعاهدة «سايكس ـ بيكو» حيث تقاسمت فرنسا وبريطانيا العظمى وقتها مناطق النفوذ في المشرق والمغرب العربي، وزادت بريطانيا بوضع حجر الأساس للكيان الصهيوني وتمكين العصابات الصهيونية من اغتصاب فلسطين عبر وعد اللورد بلفور الشهير. وبقية القصة شائعة ومعروفة؛ تتبدل الشخوص وتتغير الأسماء، لكن الجوهر واحد، وهو استمرار الغزوة الصليبية الحديثة على الوطن العربي. والمشهد رغم تقلبات الزمن وتحولات مراكز السلطة من لندن وباريس إلى واشنطن واحد، وهو مشهد مشحون بالتآمر على أمة منكوبة، نصف قدراتها مهدرة، والنصف الآخر مستنزف في إعادة اكتشاف البديهيات، أو التغني بأمجاد الماضي، فيما الحاضر مسكون بالضعف وغياب الارادة. إذن حديث المؤامرة، ليس من نسج خيال كاتب مهووس، أو اختراع روائي أدمن اللهاث خلف «العنقاء»؛ بل هو من نتاج واقع مؤلم مفعم بالحقائق التي يأبى كثيرون الاعتراف بها؛ أو يحرص «الطابور الخامس» من مثقفي حقبة «الانبطاح» على طمسها، حتى لا يبقى أمام العربي سوى الاستجداء من الآخر الذي بيده مفاتيح الحل، حتى وإن كان الحل هو الفناء والمسخ والانسلاخ عن عروبتنا وديننا. لكن لماذا نسترجع الآن حديث المؤامرة الغربية على وطننا، ونحن على مسافة يومين من الذكرى الثانية لانتفاضة الأقصى، وتدنيس الارهابي ارييل شارون لحرم الأقصى الشريف؟ .. ببساطة لأن ما يجري على أرض فلسطين موصول بأطراف تلك المؤامرة الكبرى ـ قديمها وحديثها ـ والمخبوء منها في رحم المستقبل القريب، وعلى مكتب الرئيس الأميركي بانتظار الضغط على زر التنفيذ. أربعة وعشرون شهراً مضت معطرة بدماء الشهداء، الذين كتبوا بدمائهم شهادة الخلود لعروبة فلسطين، وتطهيرها من دنس الغاصب الصهيوني، وصمدوا مرتين، أيسرها في وجه آلة الحرب الصهيونية الأميركية، وأصعبها في وجه الطابور الخامس الذي يسعى أفراده لغسل أياديهم من دم الأمة كلها، والتطوع لترويج مصطلحات الاغتيال المعنوي والإعلامي لارادة المقاومة، ووصم الشهداء بالارهاب، تقرباً وزلفى للارهابيين الأوائل في تل أبيب وواشنطن.. وكل انتفاضة وأمتنا بخير طالما غاب عن مشهدها المرجفون والساعون بالخيانة.