الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 أخيراً وبعد فترة انتظار طويلة صدر التقرير البريطاني الذي وعد بنشره توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، لاثبات مدى تورط العراق في دائرة الارهاب، وامتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تشكل خطراً على جيرانه وعلى المنطقة بأسرها، وقد جاء التقرير مكونا من (55) صفحة مطبوعة قدم له رئيس الوزراء نفسه، قائلا إن ثلاثة اجهزة للمخابرات البريطانية قد عكفت على اعداد التقرير (الخطير) الذي لأجل الانتهاء منه قد تم تأجيل القرار البريطاني ـ الاميركي فيما يتعلق بتوجيه ضربة عسكرية ضد العراق. كبرى الصحف البريطانية (التلغراف) قالت: «ليس من جديد في التقرير» اما اغلب المحللين فقالوا إن التقرير لا يعدو كونه تجميعا لقصاصات صحف نشرت مواضيع كثيرة حول المسألة العراقية، اما التقرير (الخطير) والذي اعدته ثلاثة من اجهزة الاستخبارات فقد نصّ على ان العراق لا يزال يحتفظ بـ 20 صاروخا من صواريخ الحسين التي يصل مداها الى 650 كيلومترا، وحسب التقرير فان هذا المدى يعني قدرة الصواريخ على ضرب السعودية وتركيا واليونان والكويت و (اسرائيل)!! وحسب التقرير ايضا فان الاحتفاظ بصواريخ من هذا النوع يعتبر خرقا لقرارات الامم المتحدة التي فرضت على العراق الكثير من القرارات واهمها الا يحتفظ بصواريخ يتجاوز مداها الـ 100 كيلومتر هذه هي الاشارة الاولى الحاسمة في التقرير، اما الاشارة الثانية فهي التأكيد على ان النظام العراقي قد رتب أوضاعه العسكرية على ان تكون الاسلحة النووية والكيميائية جاهزة بحوزته للرد على اي هجوم اميركي ـ بريطاني خلال فترة لا تتجاوز الـ 45 دقيقة فقط!! بمعنى ان العراق ومنذ 12 عاما هي السنوات التي تأرجح فيها هذا البلد العربي ما بين الحصار والتفتيش والتجويع، كان في الحقيقة لا يفعل شيئا سوى تطوير اسلحة الدمار الشامل انتظارا لساعة الحسم مع الاميركان والبريطانيين، برغم ان فرق التفتيش وباعتراف رؤسائها واعضائها الاميركان والبريطانيين قد اعترفوا وامام محافل دولية بأن معظم ترسانة العراق من هذه الاسلحة قد دمر تماما ولم يعد بحوزته منها شيء يذكر. واذن فماذا تريد واشنطن من صراخها المستمر وتأليبها العالم ضد العراق؟ نعرف ماذا تريد واشنطن تماما، ولا نسأل جهلا او تجاهلا، لكن احدى حجج واشنطن الفاقعة ضد العراق كانت وبحسب ما نتذكر مرتبطة بالحكاية السمجة جدا وهي علاقته بالارهاب وتنظيم القاعدة، وقد ذكر تقرير (توني بلير) الذي قرأه عصر الامس على اعضاء مجلس العموم البريطاني وبشكل واضح وصريح ان لا علاقة لنظام بغداد بتنظيم القاعدة نهائيا. اذن فقد تساقطت كل الحجج: فلا ارهاب ولا علاقة بتنظيم القاعدة، ولا وجود للاسلحة ذات الدمار الشامل، والعراق قد فوت الفرصة على صقور الادارة الاميركية حينما وافق على عودة المفتشين الدوليين دون قيود، وعليه فلماذا الضربة المنتظرة مع استهلال الشتاء وبدايات العام 2003 كما يؤكد صناع القرار في البيت الابيض؟ الجواب عند جهينة؟ وجهينة اليوم هو رئيس الكنيست الاسرائيلي (ابراهام بورغ) الذي وصف تصميم ادارة بوش على اسقاط عرفات وضرب العراق بانها اعمال صبيانية تريد بها واشنطن اشباع نزعة الانتقام في نفسية راعي البقر الاميركي، والتبشير بالمسيحية، وتحويل الشرق الاوسط بواسطة هزات سياسية عنيفة الى انظمة ديمقراطية او ما يشبه الجمهوريات الليبرالية على الطريقة الاميركية ووفق المصالح والرؤى الاميركية، تماما مثلما فعلت الولايات المتحدة في دول اميركا الجنوبية عندما ارادت ان تسيطر بالكامل على منابع الثروة هناك وخاصة مزارع البن والموز والفواكه، فحولتها الى جمهوريات موز تحركها وتعبث بمصيرها كما تشاء! من هنا وفي خضم هذا المأزق التاريخي والمصيري الذي تعيشه المنطقة، تأتي مراهنة البعض على ورقة هي الاصعب في كل المعادلة الاميركية العراقية الشرق اوسطية وهي مطالبة النظام العراقي بكافة رموزه باتخاذ قرار شجاع ووطني يتمثل في التخلي عن الحكم ومغادرة العراق لتجنيب العراق وأهله والمنطقة برمتها جهنم حرب لو انفتحت ابوابها فلا احد سوى الله يعلم الى اين ستنتهي بنا! ويبقى سؤال معلق ما بين الشفاه: حتى لو حدث هذا المستحيل هل ستتوقف واشنطن عن خططها الشيطانية ام انها لن تعدم حجة او ذريعة لضرب العراق؟ عائشة ابراهيم سلطان