الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 نفس المكان.. نفس الحصار.. مع فارق زمني يبلغ نحو ستة شهور. كما بالامس يرسل عرفات من محبسه المحاصر في رام الله عبارات التحدي تباعا: افضل ان اموت شهيدا على أن لا استسلم.. هذا شعب الجبارين ولن أتراخى.. الاستسلام سيكون انتحارا سياسيا. وربما تقول على الفور لنفسك: خاتمة الفيلم لن تكون من جنس المقدمة. فما يخشى الآن ان الرئيس عرفات قد يوافق عند نهاية المطاف على معادلة تساومية من نوع ما يقوم بمقتضاه في سبيل خلاصه الذاتي بتسليم رفاقه الذين يشاركونه المحنة في المحبس. هكذا انتهى مشهد الحصار قبل ستة شهور في رام الله ليمهد المناخ لنهاية استسلامية ايضا لمشهد حصار جانبي في «كنيسة المهد» في بيت لحم. من بين السياقات الرئيسية التي يتناولها مؤرخو الثورة الفلسطينية شخصية الزعيم ياسر عرفات لانها تمثل اهم عامل في المسار المتعرج للثورة ورغم اختلاف المقاربات التنظيرية لهؤلاء المؤرخين الا ان هناك شبه اجماع بينهم بأن شخصية عرفات تنطوي على طبيعة زئبقية واسلوب انفرادي ولانه ليس هناك ما يدعو الى ان هاتين الصفتين في شخصية الزعيم الفلسطيني قد تلاشتا خلال بضعة شهور فان جماهير الشعب الفلسطيني التي تشعل الآن الشارع غضبا متصاعدا تضامنا مع الرئيس المحتجز قد تكتشف في نهاية الامر ان مظاهراتها واضراباتها كانت هباء منثورا. لا اقصد استباق احداث لم تقع ولا اتعمد التشاؤم.. بل اتمنى ان يتواصل صمود الرئيس عرفات مهما طال امد الحصار الاسرائيلي الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا، لكن اشير الى مشهد الامس في رام الله وبيت لحم لمحاولة فهم واستقراء الصورة التي تتكرر اليوم. اليوم كما الامس نهض جنرال اسرائيلي امام مقر الرئيس عرفات مطالبا الرئيس بتسليم «مطلوبين» فلسطينيين (نحو 50 شخصا كما يقول الاسرائيليون) وذلك نظير فك الحصار. واذا كان هؤلاء المطلوبون مشتبها بهم بأنهم وراء تدبير عمليات «ارهابية» داخل العمق الاسرائيلي فان مطلوبي الامس كانوا قسمين: قسم متهم باغتيال وزير اسرائيلي والآخر متهم بترتيب شحن اسلحة على سفينة دوهمت في البحر الاحمر. وكلنا نعرف النهاية الكارثية فقد عقد الرئيس عرفات داخل مقره المحاصر «محاكمة» للمتهمين كانت قراراتها بالادانة جاهزة سلفا، وهكذا جرى تسليم الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورفاقه لينقلوا الى سجن في اريحا تحت «حراسة» ضباط اميركيين وبريطانيين وفقا لاقتراح الوسطاء الاجانب. حصار «كنيسة المهد» انتهى الى كارثة من نوع آخر. فقد كان النفي عن ارض فلسطين نصيب الشبان الفلسطينيين الثلاثة عشر.. ايضا وفقا للوساطة الخارجية التي قبلها الرئيس عرفات وقبل حكمها. وجرى توزيع هؤلاء الشباب على عدة بلدان اوروبية ليقيموا خارج وطنهم الى اجل غير مسمى. انها في كلتا الحالتين مساومة على مسائل مبدئية لا تقبل المساومة. اذ كيف يتم تسليم مناضلين وطنيين «كمكافأة» على عمليات قاموا بها مدفوعين بشعور تحرير الوطن؟ لقد استندت حكومة شارون في اصرارها على تسليم هؤلاء «المطلوبين» الى انهم «مجرمون ارهابيون». وعندما تجاوب الزعيم الفلسطيني مع مطلب التسليم فكأنه أقر عمليا بأن رفاقه في النضال كانوا يمارسون جريمة الارهاب على نحو ما تريد اسرائيل ان تصورهم للعالم. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ لقد حرص الجنرال الاسرائيلي الذي يقود قوات الحصار الآن في رام الله على طمأنة الرئيس عرفات وكأنه يقترح عليه مساومة كمساومة الامس. فقد ظل هذا الجنرال يكرر على مسامع الرئيس الفلسطيني عن طريق مكبرات الصوت ان عرفات «حر في مغادرة مقره» لكن هذه الحرية مشروطة بتسليم «الملاحقين الموجودين معه». ومما لا شك فيه ان حكومة شارون تتقدم بهذا العرض الى الرئيس عرفات وفي ذهنها السابقة التي حدثت قبل ستة شهور. وربما كان هدف شارون في المرة السابقة هو فعلا ان يضع يده على قتلة وزيره. لكن هدفه هذه المرة مختلف قطعا، فالمطلوبون هذه المرة ليسوا محددين بأسمائهم وانما فقط بعددهم، المطالبة بتسليم «ارهابيين» اسماؤهم غير معروفة، ليست سوى مسألة مفتعلة. اما الهدف الحقيقي فهو اذلال الزعيم الفلسطيني امام شعبه وأمام العالم. واذا كان عرفات يعتبر الآن وهو داخل مجلسه بطلا مثابرا في اعين شعبه الثائر فاننا نأمل ان يبقى كذلك.