الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 يقف العالم هذه الأيام على رجل واحدة، واحياناً على رأسه، مترقباً، ومتسائلاً وجلاً: هل ينتصر الجنون على العقل، في مطالع الألفية الثالثة، فيكون الانهيار الكبير حيث القلق والهلع والارتماء في حجرة الجحيم القادم من خلف البحار على صهوات الموت والدمار، الذي يتهدد الأمة على مدار الساعة؟! وتنهمر الاسئلة الجادة والحادة على ألسنة المحللين وقادة الرأي والفكر على المستوى العالمي، وبخاصة من جانب الحريصين على ان يكون السلام والأمن والتقدم وكرامة الشعوب وحريتها هو طابع هذه الألفية التي ولدت في أحضان عرس الانبهار والازدهار التقني والمعلوماتي وثورة الاتصالات التي كانت حلماً بعيد المنال فأمست أقرب من حبل الوريد للبشرية جمعاء. ترى من يصنع الرهان على الانهيار الخطير والكبير ويروج له ويغذي عواصفه ورواجفه على امتداد الكوكب؟! ومن الذي ابتدع وصنع واستخدم أول سلاح للدمار الشامل وجعل الويلات حليف الشعب الياباني في هيروشيما وناغازاكي الى الأبد؟! ومن الذي فتح مدارسه لتعليم الارهابيين صنوف الموت، وفنون الاغتيال الذي شكت منه طويلاً العديد من أقطار المنطقة ابان مواجهتها مع القوى الظلامية؟! والذين عرفوا ـ بالأفغان العرب ـ من حملهم الى هناك وسلّحهم ودربهم وموّلهم ليكونوا وقود معركته ضد السوفييت في الثمانينيات؟! وهل هناك ارهاب أفظع وأشنع من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الذي يمثل ذروته الكيان الصهيوني في فلسطين والذي يرتبط بتحالف استراتيجي مع أميركا حيث توفر له الدعم السياسي والتسليحي والمالي وكل أسباب الحياة على حساب تشريد وابادة الشعب الفلسطيني صاحب الحق والدار والوطن؟! وإذا كان العالم قد أدان النازية التي تمثلت وحشاً يحاول التهام الشعوب في الثلاثينيات من القرن الماضي، لأنها اتخذت شعار «ألمانيا فوق الجميع».. فما الفرق بين هذا الشعار العنصري التمييزي المدان، وبين شعار الادارة الاميركية «من ليس معنا فهو ضدنا»؟! وعندما تعلن الادارة الأميركية اصرارها على تغيير النظام في العراق، رغم اعلانه تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ألا يعني ذلك بكل وضوح الاستهانة بمواثيق الأمم المتحدة، وقراراتها الداعية لمنح الشعوب حق تقرير مصائرها دون تدخل خارجي؟! إن مثل هذه الخطوة الخطيرة إذا تحققت ستكون حلقة في سلسلة التدخل في شئون الشعوب والتحكم بلقمة عيشها ولون عيون أجنتها، فضلاً عن توجهاتها السياسية والحضارية؟! ان الديمقراطية تعتبر من أهم مقومات نهوض الأمة وتعزيز قوتها، وتحصينها ضد الرياح المعادية، فهل صحيح ان أميركا حريصة على تقوية العراق وغيره من الاقطار العربية التي تدعو لقيام الديمقراطية فيها على الطريقة الأميركية؟! إن أميركا التي تجوب ـ بأقمارها الاصطناعية ـ السماء وتمخر بغواصاتها وجواسيسها عباب البحر وأرجاء الأرض بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل لتدميرها والقضاء عليها من أجل «سلامة البشرية»، ألا ترى مئات الرؤوس النووية المكدسة في الكيان الصهيوني، ومخاطر مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب الذي يتهدد المنطقة، بل الشرق الأوسط كله في لحظة الجنون الصهيوني العنصري المتصاعد؟! إن أحرار العالم وشرفاءه ومناضليه تقلقهم مصادرة شركات السلاح للقرار السياسي الاميركي على حساب رغيف الشعوب وكرامتها وأمتها، كما يرعبهم شعار الادارة الأميركية الذي بدأ بالعولمة وتنامى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المدانة، وهو ما يساوي الشعار النازي «أميركا فوق الجميع» يتساءلون مع ـ سبارتاكوس ـ قائد ثورة العبيد في عصر الامبراطورية الرومانية مخاطباً جماهير المضطهدين قائلا: «إذا كان للسادة مصلحة في أن يكونوا قادة لنا فما هي مصلحتنا في أن نكون عبيداً لهم؟». إن الأمة العربية التي تمتحن ارادتها وسيادتها، هذه الأيام، من خلال حرب الابادة التي يشنها العدو الصهيوني في فلسطين، والتهديدات الرهيبة التي يطلقها البيت الابيض ضد العراق مدعوة الى صحوة قبل انهيار «سد مأرب ـ وخراب البصرة» من أجل وحدة القرار والموقف والتلاحم مع الذات دفاعاً عن تراثها وحضارتها ورسالتها ومشروعها القومي النهضوي المنشود. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب