الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 ما يحتاجه العرب الآن ، في مواجهة أنفسهم أولا ، ثم في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة وربما العالم كله بعد ذلك ، هو قول كلمة واحدة لا غير: «.. والا». الأهم من حاجة العرب الى قول هذه الكلمة أنهم يملكون القدرة على قولها ، مشفوعة بأنهم قدموا عمليا على امتداد الفترة الماضية أقصى ما لديهم ، جماعيا على صعيد انهاء الصراع العربي - الاسرائيلي بمبادرة السلام التي أقرتها قمة بيروت في الربيع الماضي ، وفلسطينيا قبل ذلك على صعيد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية ، في اطار اتفاقات اوسلو ، بوجود اسرائيل ضمن حدود ما قبل الخامس من يونيو العام 1967. لكن أحدا ، برغم ذلك كله ، لا يتفوه بتلك الكلمة الضائعة. حتى أنه لا يهدد بأن يتفوه بها. في الأيام القليلة الماضية قال رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون علنا ، بعد ان نفذ ذلك على الأرض طيلة عامين كاملين ، ان اتفاقات أوسلو بين اسرائيل والفلسطينيين ماتت بصورة نهائية حتى انها دفنت ، وأن أية اتصالات مقبلة بين الطرفين لن تتناول سوى البحث في امكان الوصول الى اتفاقات جديدة ما ، أقصاها عقد ترتيبات مرحلية طويلة الأمد تؤدي في مرحلة ما الى حكم ذاتي لمجموعة «كانتونات» ، او مجموعة «باتوستانات» ، فلسطينية لا يربط احدها بالآخر شيء ضمن دولة اسرائيل. في الماضي ، لم تقل منظمة التحرير كلمة «.. والا» في القرار التاريخي الذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر ، ثم في الاتفاقات التي وقعتها في العاصمة النرويجية أوسلو ، حول الاعتراف باسرائيل ضمن حدود العام 1967 واقامة دولة فلسطين على الأراضي المحتلة بعد ذلك التاريخ ، او كما ورد في قرار المجلس يومها على أية أراض فلسطينية يتم تحريرها من الاحتلال. الا ان المسألة لم تقف عند هذا الحد. فعلى هامش اتفاقات أوسلو من جهة وفي سياق مؤتمر مدريد للتسوية من جهة ثانية ، تولت اسرائيل والولايات المتحدة كل بدورها ، وبتغطية من الموقفين العربي والفلسطيني وبدعم من المجتمع الدولي ، تخيل صورة جديدة لـ «الشرق الأوسط الجديد» صاغها في كتاب وزير الخارجية الاسرائيلي يومها شيمون بيريز ، ثم المبادرة على طريق ذلك الى بدء مفاوضات متعددة الأطراف عربية ودولية اشتركت فيها الدول العربية جميعها.. تحت شعار «اغراء» الرأي العام الاسرائيلي واقناعه بصدق النوايا العربية في اقامة سلام كامل ونهائي معه. ولم تقم منظمة التحرير - فضلا عن السلطة التي انشئت في الأراضي المحتلة على أساس أوسلو - برغم معاناتها طيلة عشرة أعوام من المماطلة الاسرائيلية في تنفيذ الاتفاقات ، وتدمير البنية التحتية للسلطة وللشعب بمختلف فئاته ، وشن حملة ابادة جماعية لم توفر أحدا على امتداد الأراضي المحتلة ، ثم أخيرا برغم اعلان شارون موت اتفاقات أوسلو ودفنها ، بقول كلمة واحدة ، فضلا عن كلمة «.. والا» هذه ، لا في مواجهة اسرائيل التي وقعت على الاتفاقات لتأخذ الاعتراف ثم لا تقدم مقابلا له ، ولا في مواجهة الولايات المتحدة التي شهدت على التوقيع وعلى مضمون الاتفاقات لتطالب السلطة - كما هو الوضع حاليا - بالمزيد من التنازلات لمصلحة من تعمد قتلها ثم بادر الى اعلان دفنها. لا يختلف الأمر كثيرا هنا عما تم بعد ذلك بسنوات في اطار مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في نهاية مارس - الماضي. فقد قدم العرب مشروعا متكاملا لانهاء الصراع العربي - الاسرائيلي ، على قاعدة ان السلام هو خيارهم الاستراتيجي وانهم جميعا سيكونون مستعدين ، بعد تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة ، لاقامة علاقات طبيعية كاملة مع اسرائيل ووضع حد لنصف قرن من العداء والحروب في المنطقة. ومرة أخرى لم يرد في المبادرة العربية أي ذكر لتلك الكلمة السحرية ، كلمة «.. والا» ، بل وحتى لم تذكر على هامشها لا في كواليس القمة ولا في اثناء المناقشات ولا في تصريحات المسئولين والمتحدثين الرسميين.. انطلاقا من نظرية «الاغراء» ذاتها ( وربما من نظريات أخرى ايضا !! ) صاغتها الولايات المتحدة وتبناها العرب بمعظمهم من دون نقاش. ولم يختلف الأمر بدوره أيضا ، أنه بعد ساعات فقط من اعلان المبادرة من بيروت وارتياح العالم بها باعتبارها أول مشروع سلام عربي منذ نكبة فلسطين في العام 1948 ، بدأ شارون اجتياحه للأراضي الفلسطينية واعادة احتلال ما أمكن تحريره منها ، فضلا عن عزل قائد السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ووزرائه وأنصاره في غرفة واحدة داخل مباني «المقاطعة» في رام الله ، وسط تأييد مطلق له ولعمليته من قبل الادارة الأميركية. ليس الهدف من كلمة «.. والا» الناقصة هذه التهديد بعودة المنظمة عن الاعتراف باسرائيل أو بتراجع العرب عن مبادرتهم السلمية ، مع أنه لا عيب في التفكير بمثل هذا الاحتمال. ولا الهدف هو التهديد بشن حرب ضد اسرائيل لانهاء احتلالها للأراضي المحتلة واحقاق الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني ، مع أنه لا عيب كذلك في مثل هذا الخيار. ولا حتى في التهديد باتخاذ اجراءات يكون من شأنها اشعار المجتمع الدولي بأن السلام هو خيار العرب الاستراتيجي لكنه ليس خيارهم الوحيد الذي لا خيار غيره. الهدف هو اقناع الشارع العربي بأن خيار السلام ليس تعبيرا عن مأزق الاستسلام. وافهام اسرائيل والرأي العام العالمي بأن مد يد الصلح لدولة العدوان والاغتصاب والتوسع على مدى تاريخها في المنطقة ليس برهانا على عجز العرب المطلق وافتقارهم الى أية قوة من قوى المقاومة. وعلى مستوى الدولة العظمى «الصديقة» ، ابلاغ الولايات المتحدة بأن «صداقة» العرب لها ليست ولا ينبغي ان تكون ذيلية ، بمعنى أنها لا تفعل الا أنها تتلقى النصائح فتصدع لها باعتبارها نوعا من الأوامر. وفي هذا الاطار ، فان العرب - برغم أمراضهم الذاتية واختلال موازين القوى العسكرية لغير مصلحتهم - يملكون من الدروع وأسباب المقاومة ما يستطيعون ان يستخدموه ، ان لم يكن لرد العدوان فأقله لردعه من التمادي ، وان لم يكن لصد الرياح الكاسحة ، فأقله للانحناء أمامها آنيا بانتظار تبدل المناخ.. السياسي والعسكري دوليا واقليميا ومحليا. يملكون الطاقة البشرية بما فيها الاستعداد للشهادة ذودا عن الأمة والكرامة والحق والدين ، والمدى الجغرافي القادر على احتواء وبالتالي تفريغ أي احتلال لأية رقعة أرض مهما كبرت من أبعادها السياسية والنفسية ان على الغزاة أو على ضحايا الغزو ، والثروات الطائلة طاقة ومياها ومواد خام ومالا وزراعة وصناعة الخ.. بما يجعلهم أقوياء على العيش ، وحتى على مقاومة الغزاة ، تحت أية ظروف ولأي مدى زمني مهما طال.. يملكون ، في أي حال أيا كان ، أن يقولوا لا وأن يتمسكوا بها ويصمدوا طويلا خلفها. يملكون، في الأقل، ألا يوقعوا على ما لا يريدون ، أو ما لا يستطيعون ، التوقيع عليه سواء لجهة التنازل أو لجهة التعويض انقاذا لماء الوجه. وليست هذه الـ «والا» مجرد موقف سلبي. انها موقف ايجابي ، بل وايجابي بامتياز ، في مثل الظروف التي تحيط بالعرب في المرحلة الحالية. في هذه المرحلة المأساوية من الصراع العربي - الاسرائيلي ، انتفت عمليا أية فروقات كانت متوهمة ، عربيا واقليميا ودوليا ، بين تكتل «ليكود» وحزب «العمل» الاسرائيليين ، او بين ما يسمى باليمين واليسار في اسرائيل ، او بين حركة «السلام الآن» والتوراتيين الداعين لـ «اسرائيل الكبرى» ، او بين الأشكيناز والسفارديم. توحد الكل خلف الحرب الشرسة التي يشنها شارون لابادة الشعب الفلسطيني ، قتلا وتجويعا وتشريدا ، وخلف تحصين المستوطنات ثم زرع المزيد منها علنا وجهارة او تحت جنح الظلام ، وخلف نظرية ان السلام اما يكون سلاما اسرائيليا ، وبالتالي استسلاما عربيا كاملا ، او لا يكون سلام في المنطقة على الاطلاق. اعلان موت اتفاقات أوسلو ، وأخواتها من واشنطن الى واي بلانتيشن الى طابا الى شرم الشيخ الى القاهرة الخ..، ودفنها علنا ، ليس الا للبرهنة على هذا الواقع. كذلك انتفت أية فروقات كانت متوهمة ، عربيا وربما دوليا ايضا ، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة فيما يتصل بالعلاقة مع العرب وبمستقبل المنطقة والصراع العربي - الاسرائيلي. لا يناقش الأميركيون حاليا الا في نظام «الكانتونات» الفلسطينية ومدى الدعم الأميركي له اصلاحا أو اعادة بناء كاملة ، والا في نوع «الارهاب» - وبالتالي نوع محاربته - بعد الصاق تهمته بكل من «حماس» و «الجهاد الاسلامي» و «فتح» و «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وغيرها. وفي أعماقهم ، فانهم يتناقشون في ذلك لأسباب داخلية وفي سياق التنافس الانتخابي فيما بينهم أكثر من أي سبب آخر. بل أنهم ، تطويقا للعرب وتقليلا من أهمية العلاقات المصلحية معهم بما فيها الخاصة بالنفط ، يزايدون في تبرير الحرب الأميركية في أفغانستان ، وتاليا في وسط آسيا وحوض بحر قزوين ، وفي التقرب من روسيا تحت شعار الاعتماد مستقبلا على نفطها بدلا من النفط العربي ، وفي شحذ السكاكين لغزو العراق والسيطرة بصورة مباشرة على ثرواته واحتياطياته النفطية وان لم يتحدثوا عن ذلك. بل ان الصمت المطبق عن ذكر موضوع النفط العراقي في الحملة الأميركية الحالية لتبرير الحرب على العراق ، كما لاحظ الخبير النفطي العربي في لندن الدكتور نقولا سركيس ، ربما يكون بيت القصيد في الحرب كلها. لقد غابت عن العرب كلمة «.. والا» المغيبة - قصدا أو سهوا - في الماضي ، سواء في مواجهة اسرائيل او في مواجهة الولايات المتحدة. لكن ألا يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تعلن الآن انها ، لهذا السبب الاسرائيلي أو ذاك ، تسحب اعترافها المسبق باسرائيل ضمن أية حدود تتحدث عنها، وللقمة العربية انها بدورها ، لهذا السبب الاسرائيلي والأميركي أو ذاك ، تسحب مبادرتها السلمية لكي لا تتحول الى «تنازل» تنطلق منه اسرائيل والولايات المتحدة ايضا للمطالبة بالمزيد من التنازلات. وفي المستقبل ، ألا ينبغي اعادة وضع هذه الكلمة في القاموس السياسي العربي ؟! ـ كاتب لبناني