الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 دعوة مفتوحة ارفعها للمسئولين وللغيورين على مصلحة هذا الجيل من خلال هذه الزاوية لدراسة السبل الكفيلة بحماية الفتيات من البيئة الاجتماعية التي أخذت في التلوث التدريجي والمتسارع نحو احداث تغير في سلم القيم، على نحو ينذر بحدوث كارثة خلقية ان لم يتم التدخل السريع والناجح القادر على اصلاح تلك البيئة، وإعادة تشكيل مفاهيم تلك الفئة المتحفزة لارتكاب الخطأ بما ينسجم مع قواعد الاخلاق، ويتوافق مع الاعراف السائدة. ومن المؤسف ان التراجع على المستوى القيمي والاخلاقي صار ملحوظاً بل ومألوفا وتشهد عليه عشرات الدلائل والقرائن التي تؤكد حدوث انتهاك صريح للخطوط الحمراء، واختراق منظم لقواعد الادب والحشمة في بعض الحالات، وعشوائي في اغلب الحالات، على صورة لم تعد تسمح باعتبار تلك الممارسات مرضا سلوكيا طارئا لا يستدعي الكثير من القلق، إنما تحمل في طياتها اعراض مرض عضال قادر على الفتك بمستقبل كل فتاة لديها الاستعداد والقابلية للسير في ذلك الطريق الملغوم!! وقد اودعتنا التجربة الانسانية، وقبلها التعاليم السماوية حكمة مفادها ان الوقاية اصل، والحماية مبدأ، واذا ما وقع الانفلات، فان العلاج يأتي كمرحلة متأخرة ليس بعدها الا العقاب، وهو أمر ينبغي تجنب حدوثه لما ينتج عنه من اخطار تهدد مستقبل الفتاة. والملاحظ في هذا الشأن انطفاء الشعور بالحماس وقلة الاكتراث من قبل المؤسسات الرسمية والاهلية وقنوات التأثير وتشكيل الرأي العام للتصدي لهذه الازمة الاخلاقية، واستلام دور محوري في التخفيف من حدتها، والسيطرة على آثارها الجانبية. وقد تنوعت اسباب الفتور في التصدي لذلك الموضوع الازمة، اما لحيرة في طريقة تناوله، او فزع من نتائج الاشتغال به، وتركيز الجهود عليه، او شعور باليأس من جدوى التعرض له، او تقليل من شأن النتائج المترتبة على ظهوره في المجتمع، وفي تقديري الخاص ان اقتحام الموضوع هو الخطوة الاولى على طريق المواجهة مع تلك الاختراقات المرفوضة، الا ان الدخول في الموضوع يتطلب قدراً من الحذر، ومزيداً من الحيطة، خشية من انفلات القلم أو شطط الفكر او القصور في المعالجة، او التجزيء في تناول الموضوع الذي قد يصل الى اقتراح حلول ترقيعية لا تستطيع ان تحمي الفتيات من الانحراف، او تعيد اليهن التوازن النفسي والانفعالي الذي فقدنه في ظروف غير عادية، وفي تنشئة أسرية ومدرسية مرتبكة عاجزة عن الوفاء بمتطلبات بناء الانسان!! وكثيرا ما اوردنا في هذه الزاوية بأن سياسة الترقيع لا تصلح لاي مشروع هدفه النهائي الانسان، كيانا وسلوكاً. ولقد جاءت محاولات كثيرة لتقديم رؤية حول اسباب انحراف الفتيات، وطرق العلاج والخلاص من ازمة ضياع الذات التي تعاني منها تلك الفئة من فتيات الجيل الجديد. فجاء التشخيص سليما واحاط بالظروف التي قد تؤدي الى السلوك السلبي من قبلهن بينما جاء العلاج قاصراً عن الوفاء بذلك الهدف البعيد، الامر الذي يدفع باتجاه التفكير بحلول شاملة تأتي متوافقة مع متطلبات النجاح في مهمة اصلاح البنية الفكرية والوجدانية والقيمية للفتيات المتهيئات للسلوك السلبي عن طريق المعالجة الحكيمة وليس الاصطدام والمواجهة المباشرة. ومن الغريب حقا ان نرى الادارات المدرسية على اهبة الاستعداد في اغلب الحالات للقيام بدور المحقق الذكي والقاضي الذي يجيد اسناد التهم، واصدار القرارات بالادانة، ثم بالفصل المؤقت او النهائي عن المدرسة اذا ما بدر من الفتاة استخفاف بالقوانين الاخلاقية، والنظم السائدة. واذا كان البعض يعتقدون بأنهم بهذه الوسيلة قد قضوا على المشكلة قضاء نهائيا، فاننا نؤكد لهم أن ما فعلوه لا يتجاوز مجرد التنحية والاقصاء للفتاة التي تسببت بالمشكلة عن البيئة المدرسية، دون ان يحظى سلوك الفتاة بأدنى اهتمام من قبل من اتخذ قرار الفصل. وهنا ينتقل التفكير التقليدي الى اتهام مؤسسات اخرى بالتقصير والفشل في تهذيب سلوك الطالبة كالاسرة التي تنتمي اليها، او وسائل الاعلام التي اختارت لنفسها القيام بدور تخريبي مشهور ومباشر!! ان ما نريد قوله لجمهور المنظرين للمشكلة، المشخصين للعوامل التي ادت الى تخبط سلوك بعض الفتيات بانه يجب الاكتفاء بهذا الدور النقدي الشديد الوضوح، والانتقال الى وصف الحلول، وتحديد خطوات العمل وهو موضوع يستحق البحث والنظر في الجولة التالية.