الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 لا يمكن التخلص من الانحياز لسنوات خلت كانت للحياة وطبيعتها طعم وشكل اخران، فأنا ومن مثلي من جيل ينكسر خاطره على كل شيء تعود تفاصيله الى الستينيات، من جيل التلفزيون الابيض والاسود والراديو ببطاريات الفحم والثلاجة التي تعمل بالكاز.. من جيل لا يزال يحن بعنف للطرقات والحواري القديمة والتراب الابيض الممتد في كل مكان كسجادة تغسل العيون من ألم باقي الالوان.. جيل ربما غرق في رومانسيات قلبه اكثر من غرقه في ألق فكره، او هكذا اشعر به كما كان. هذا الجيل اليوم وسط هذه المدنية الجميلة وضجيج الحركة والتحديث وألوان الاسمنت والالمنيوم والنيون وكل ما جلبته الكهرباء والتكنولوجيا، يهفو قلبه بين حين واخر الى تلك الايام الخوالي، واعرف اناساً، اعرفهم جيدا يشتاقون حتى لأكلاته البسيطة، يقطعون المسافات بحثا عنها، يزورون البيوت القديمة أو ما تبقى منها، يلوكون السير القديمة وما تبقى منها، يستعيدون الاسماء وما تبقى منها، ويمارسون اللهو بالكلمات القديمة وما تبقى منها.. حنين يصل الى حد القسوة. مناسبة هذا الاعتراف القصير نيابة عني وعن اصدقاء الجيل الذي لا يزال يحن ويستلذ الذكرى الاحتفال بيوم الراوي الذي ستنظمه مساء غد ادارة التراث بدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، حيث سيتم خلال هذا الاحتفال تكريم الرواة الوطنيون سلطان بن زويد خليفة وسالم بن معدن، والاحتفاء بشخصية العام، حيث وقع الاختيار على اسم اخر نهام في الامارات وهو الراوي بوسماح، صاحب الصوت العذب، صوت البحر والساحل، وصوت الذاكرة الذي لا يزال صداه يتردد في ضلوع من طعموا الملح وذاقوا رواسبه على جلودهم في تلك الايام المشمسة الحارة.. أبوسماح الذي رحل عن دنيانا تاركا بقايا صوته وشيئاً من حكايا لاجيال من بعده تأتي لتقرأ في الماضي وحوله.. ومناسبة هذه الاعتراف بالحنين ايضا، انه لا يزال هناك الكثير الذي يتوجب فعله تجاه موروث شفاهي كبير وثقافة شفاهية عريضة تضيع وتتلاشى مع الزمان بغياب ناسها واهلها.. ونعود من جديد لاطلاق الصرخة ذاتها كلما تذكرنا أو حرقنا الحنين، ان الشيء الكثير من تفاصيل وطعم ولون وشكل الماضي يضيع، شيء تبعثر ولم نلملم منه الا اليسير في كتب أو اشرطة كاسيت، أو بعض من تسجيلات فيلمية بسيطة مرمية في اطراف المخازن وارشيف المحطات التلفزيونية وبعض الادارات، ولن يتذكرها احد ولن يعيد بثها بشكل دائم وسوف تنخرها الرمة وتذهب وتضيع كما ضاعت مواد ارشيفية كثيرة سجلت بعضاً من شمس الماضي.. نتعاطى الماضي في هذه المناسبة، ليس لاننا من ذلك الجيل الذي يحن فقط، ولكن لاننا كمجتمع ما زلنا نصر على عدم تعاطي ذلك الموروث بالاسلوب الذي يجعله حيا ومتواصلا ومعبرا عن عمقنا في المكان والزمان.. في هويتنا الخارجية نبدو وكأننا منسلخون من لا شيء.. وهذا ما يدعو الى الصرخة الكبيرة.. كيف لنا ان نتنفس تفاصيلنا الصحيحة وسط هذه الحداثة؟ الامر ليس صعبا، وكل الشعوب المتحضرة تفعل هذا اليوم، فلماذا نجفل نحن، أو ندفع على ممارسة هذا الاجفال عنوة؟..