الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 من أحداث الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية خلال أبريل الماضي، علقت بذاكرتي تلك اللقطة، خمسة ضباط من قوات الأمن الفلسطيني ممددين فوق أرض حجرة ضيقة في سكن متواضع بمدينة رام الله. كانوا قتلى برصاص القوات الإسرائيلية، من طريقة وضع الجثث يبدو واضحا أنهم اغتيلوا اغتيالا، لم يكن هناك أثر لمعركة، بل ربما قتلوا أثناء نومهم عندما لجأوا إلى تلك الحجرة هربا من الحصار، كانوا يرقدون فوق الأرض، أحدهم جسده منحني قليلا، آخر تشوهت ملامحه إذ استقرت دفقة رشاش في رأسه مباشرة، يرتدون الزي الأصفر وأحذية عسكرية، زي جيش التحرير الفلسطيني سابقا، قوات الأمن الفلسطينية حاليا، كانوا متقدمين في العمر، وكان ثمة أبوية في هيئاتهم. لابد أن كلا منهم رب أسرة، أب وربما جد لأحفاد صغار، كما قدرت كانت أعمارهم تدور حول الستين، ليسوا في سن الشباب التي تجعلنا نقول أنهم من الاستشهاديين، أو ممن يشكلون خطرا على الإسرائيليين، عسكريين كانوا أو مدنيين . رغم توالي المشاهد، ونفاذ الحماس الأول الذي جعلنا ننزل إلى الشارع ونتصدر مظاهرات الاحتجاج ونقدم المذكرات إلى الهيئات والمؤسسات ذات الصلة، إلا أن هذا الحماس فتر عند القوم فيما يتوالى الزمن، وخلال فترة قصيرة أصبحت مشاهد الاستشهاد وهدم البيوت ودبابات الميركافا الإسرائيلية التي تتبعها البلدوزرات أمرا عاديا، كأن ما يجري يحدث في المريخ أو في قارة أخرى وليس على حدود أربع دول عربية، صور كثيرة توالت لكن مشهد هؤلاء الرجال المغتالين، المقتولين بلا مقاومة في مكان رقادهم لم يفارقني . يروح ويجيئ مع تساؤلات شتى عن أسمائهم، ومن يسعى الآن منحدرا من صلبهم؟، وأي هموم حملوها في حيواتهم، وأي آمال، وأي ليال دافئة أمضوها مع الأهل؟ بعد خمسة شهور من الاجتياح الإسرائيلي لرام الله، في سبتمبر الحالي، عرفت بعض التفاصيل عن أحدهم، لم أربط بين ما قرأته وما رأيته، فلا أذكر ملامح تميز هذا عن ذاك من الخمسة. لكن ما عرفته جعلني أرى في المايسترو «تلخيصا للآخرين» حدث منذ أسبوعين عندما رن جرس الهاتف المحمول، لمحت الرقم يبدأ برقم (الكود) الأراضي المحتلة، تسعمائة واحد وسبعون، تعجبت، فمن يطلبني من هناك؟ فوجئت بصوت الأديب يحيى يخلف، أحد كبار الروائيين العرب، قرأت له قبل أن التقي به، ماتزال تفاصيل روايته البديعة (نجران تحت الصفر) ماثلة في ذهني، تبادلنا التحية وعرفت أنه في القاهرة، إذن فهو يهاتفني من الجوال . كان أمامه ساعات ويغادر القاهرة، حالت الظروف دون لقائنا لكنه أرسل لي مخطوطة «يوميات رام الله» عندما تسلمت المظروف فتحته ورحت أقرأ ثم استولت السطور والكلمات علي، اننا نسمع ونرى، ولكن الخلفيات الكامنة والتفاصيل الدقيقة لا تبدو لنا في نشرات الأخبار، الجوهر يبرزه الأدب، فما البال إذا كان الواقع استثنائيا والأديب موهوبا. يحكي يحيى يخلف في جمل عارية من الزخرف، بهدوء يذكرني بالمؤرخين المصريين الكبار. الذين كانوا يدونون الأحداث في القرون الوسطى بهدوء وتأمل، يكتبون عن أفظعها بلغة محايدة، تحتفظ بمسافة بين ذواتهم وما يكتبون عنه، وعبر هذه المسافة تتضح الرؤيا كلها، هذا ما وجدته عند يحيى يخلف يوميات تحتفظ بتفاصيل ما جرى، وما جرى فظيع، لم تصلنا حوليات كهذه عن غزو المغول لبغداد واستباحتها لمدة أربعين يوما، ما يكتبه يحيى يستدعى إلى الذاكرة كافة جيوش الدمار وإبادة الحياة، التدمير بالدبابات والبلدوزرات الجيش الإسرائيلي الجيش الوحيد في العالم الذي تسير البلدوزرات في ركاب قواته للهدم، لهدم بيوت الفلسطينيين وتحويل العمار إلى خراب، فوقفت أمام ما رواه يحيى عن المايسترو، المايسترو أحد هؤلاء الخمسة الذين رأيتهم ممددين بعد أعدامهم . ماذا قال يحيى وبماذا أفضى؟ يقول ما نصه: «أخبار يوم الأحد كانت مرعبة، يوم أحد ابن كلب، تكشفت فيه مجازر بشعة ارتكبها جنود الاحتلال، وأغلب ضحاياها من جنود وضباط الأمن الوطني الفلسطيني، الذين وجدوا فجأة محاصرين، بلا ذخيرة، بلا طعام، بلا أمل. معظم هؤلاء حاولوا الاختباء في مداخل العمارات بعد أن قاوموا في اليوم الأول والثاني، وبأسلحتهم الخفيفة إلى أن نفدت ذخيرتهم، لم يكن أمامهم من أمكنة سوى البيوت المهجورة أو العمارات قيد التجهيز. أو مداخل العمارات الكبرى، اقتحم الإسرائيليون معظم تلك المواقع، وقتلوا بدم بارد كل من وجدوه هناك، ولعل أبشع مجزرة كانت تلك التي حدثت في أحد مداخل عمارة بنك القاهرة عمان، إذ كان خمسة من الضباط كبار السن الذين لم يحالوا إلى التقاعد بسبب عدم وجود نظام للتقاعد حتى الآن في السلطة الوطنية الفلسطينية، ونظرا لكبر سنهم فقد كلفوا بمهام إدارية لا قتالية، مثل العمل في جهاز التموين التابع للقوات أو مديرية اللوازم والزيوت، وما إلى ذلك.. إذن.. هذه هوية الضباط الخمسة، لم أخطئ عندما وصفت حضورهم المؤقت، الميت بالأبوة، أنهم ضباط شئون إدارية، نسميهم في مصر، الرديف، أي يكونون ملحقين على القوات العاملة، يتوقف يحيى يخلف عند أحدهم. أحد هؤلاء، كان يقود جوقة موسيقى الأمن الوطني التي تعزف النشيد الوطني والمارشات العسكرية في الاحتفالات والمناسبات، كان ضابطا كهلا، أشيب الرأس واللحية والشاربين، كان طويلا ونحيلا وفي الاحتفالات يزهو ببزته العسكرية ويقود جوقته كما لو كان مايسترو حقيقيا. كثيرا ما رأيت مثل هذا المايسترو، أنه الشخص الموهوب، المتميز، المتميز ليس في العزف فقط، إنما الهيئة، في الشكل، أذكر قائد الجوقة الملكية المغربية، كان يرتدي زيا عسكريا أحمر اللون، يقف أمام ثلاثة صفوف من العازفين، يحمل العلم، حقا .. كان الرجل يليق بالعلم، من أضخم الهياكل التي رأيتها طولا وعرض منكبين، بارز الصدر، يفيض من الزهو. مايسترو آخر كان يقود فرقة موسيقى الجيش المصري. كان طويلا ممشوقا عيناه عالقتان بالفراغ، ينظر إلى أعلى باستمرار. رغم أنه يوجه كل حركة في فرقة يتجاوز عددها المائة فرد، المايسترو مفرد، يقف وحيدا الصاري، وأنظار الفريق تعلق به، لذلك لابد أن يكون علامة مهما كان متقدما في العمر، أذكر ركب الرئيس جمال عبد الناصر، حتى منتصف الستينيات كان يتقدمه ثلاث دراجات بخارية فقط تسير في تشكيل رأسي السهم وعربتا جيب، كان رأس السهم ضابطا ممتلئ الجسد بمهابة، طيب الوجه، يمسك بطرفي مقود الدراجة البخارية وكأنه يقود حصانا أصيلا متمرسا، لا ادرى لماذا أطلق الناس عليه «عم علي»، كان ظهوره يعني أنه الرئيس على وشك الظهور، وكانت الصيحات تعلو «أزيك يا عم علي» ولكن عم علي لا يبالي، يتطلع أمامه وكأنه غير عابئ بالواقفين كلهم. يقول يحيى يخلف: «كنت أشاهده أحيانا وأنا ذاهب بسيارتي إلى مركز عملي في وزارة الثقافة إذ كان يدرب فرقته على العزف في الصباح على الشارع العام، يسير رجاله في طابور وهم يرتدون حللهم العسكرية ويعزفون المارشات العسكرية ويضبطون خطواتهم على إيقاع الموسيقي، فيما كان المايسترو يتقدمهم وينظر إلى المارة بفخر واعتزاز. وأذكر أن وزارة الثقافة حصلت على كمية من الآلات الموسيقية كمنحة من حكومة اليابان، وقامت بتوزيعها على المدارس والمعاهد وأهدت بعضا منها إلى فرقة موسيقى الأمن الوطني. أذكر أن (المايسترو) في مشوار تدريبه الصباحي، عرج صوب مبنى الوزارة وتوقف أمامه وأخذ يعزف «الحانا» عذبة وذلك كتحية وفاء منه للفتة الكريمة التي قامت بها الوزارة تجاه فرقته. كان المايسترو خامس خمسة أعدمهم جنود الاحتلال في زاوية معتمة من عمارة بنك القاهرة ـ عمان، وجدهم الصحفيون بعد يومين جثثا هامدة وقد أطلق الرصاص على رؤوسهم وسال الدم وخضب لحاهم البيضاء». ليس مشهد المايسترو إلا مجرد تفصيلة من وقائع عديدة يزخر بها هذا الكتاب شديد العمق والحيوية، الذي يصدر في عمان عن دار الشروق خلال أيام، وفي رأيي أن نشره يجب أن يتم على أوسع نطاق، تبدو الكلمة أشد وقعا وتأثيرا من كافة الصور التي تبثها المحطات الفضائية العربية والأجنبية، يتحدث يحيى عن مناضلين عرفتهم منذ سنوات طويلة مثل صخر الذي كان سفيرا لفلسطين في موسكو ثم أصبح مسئولا عن الاعلام في الضفة، يصف المؤلف البحث عن مروان البرغوثي وغيره من الحركيين المناضلين، يصف اختفاءهم في مغارات الوادي، يتحدث عن الأوروبيين الذين تصدوا للدبابات الإسرائيلية وللقتلة الذين يرتدون ملابس عسكرية، وفي خضم الدمار وعمليات الاعدام الجماعية للفلسطينيين لا يغيب عن نظر يحيى يخلف تفتح زهور البنفسج، لكم أتمنى أن يترجم هذا الكتاب وأن ينشر بعدة لغات، أنه وثيقة إنسانية وأدبية ونضالية، أما المايسترو العجوز فقد تجسد معبرا عن هؤلاء الكهول الخمسة الذين حاولوا الاحتماء بمدخل العمارة واغتالتهم أيدي القتلة الباردة، ويبدو أن المشهد يشغل يحيي يخلف، يعود ليتحدث عن المايسترو، عندما جلس إلى مكتبه يقول: «لا أدري لماذا قفزت إلى مخيلتي صورة (المايسترو) الحاج عمر، قائد فرقة الموسيقى التابعة لقوات الأمن الوطني الفلسطيني والذي أطلقوا عليه النار مع أربعة ضباط كبار السن عند مدخل عمارة بجانب بنك القاهرة عمان. لا أدري لم تخيلته يتقدم جوقته التي تحمل الأبواق النحاسية والطبول والمزامير، اثناء مشوار التدريب الصباحي وهي تعزف المارشات العسكرية أو النشيد الوطني ويبدو مزهوا أمام الناس الذين يجذبهم المشهد فيتوقفون وتظهر عليهم علامات السرور، وعلى وجهه تظهر علامات الرضا.. رحم الله الحاج عمر، المايسترو الفلسطيني