الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 باصدار «الوثيقة الاستراتيجية» الجديدة للسياسة الخارجية عند نهاية الاسبوع الماضي سوف يدخل جورج بوش التاريخ كأول رئيس اميركي يتبنى مبدأ «صدام الحضارات». فمضمون الوثيقة هو عبارة عن اعلان رسمي بدخول الولايات المتحدة في منازلة ابدية ضد الاسلام والمسلمين بكل وسائل الحرب الشاملة بما في ذلك العنف المسلح. مبدأ «صدام الحضارات» ابتدره الفيلسوف السياسي الاميركي المعاصر صامويل هنتنجتون في مقالة بحثية مطولة نشرت عام 1993. ولكن ربما لم يكن هنتنجتون يتوقع ان يتبنى طرحه رئيس اميركي بهذه السرعة ويجعل منه اساساً لسياسة خارجية رسمية. فقد كان هذا الفيلسوف الاميركي يستقرئ المستقبل البعيد. وملخص الوثيقة الاستراتيجية هو ان الولايات المتحدة ينبغي ان تعمل «من اجل تحقيق تفوق عسكري مستديم لدحر الارهاب من خلال تدمير الخطر قبل ان يصل الى حدودنا». ولن نفهم مغزى هذه «الشفرة» الا اذا اخذنا في الاعتبار ان تحالف المنظمات اليهودية واليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة هو الذي يضع ثوابت وموجهات السياسة الدولية الاميركية، وبالطبع فإن المعيار الأبدي لهذه الثوابت والموجهات يظل بقاء الدولة اليهودية الاسرائيلية كأعظم قوة مهيمنة ومتفوقة في العالم العربي والاسلامي. بالتالي فإن مصطلح «الارهاب» الوارد في الوثيقة الاستراتيجية ينبغي ان يفسر تعريفه من هذا المنظور. ومن الواضح انه منظور استعير من طرح البروفيسور هنتنجتون. ان هنتنجتون يتحدث في مقالته البحثية التي توسع في شرحها لتصدر ككتاب لاحقاً عن حتمية صدام بين الاسلام و«التحالف الصليبي» مشيراً بذلك الى تنامي التحالف بين اليهودية الصهيونية وحركة اليمين المسيحي المتطرف. وفي سياق عمومي يقول الفيلسوف الاميركي ان زوال المعسكر الاشتراكي الشيوعي كان بمثابة خاتمة لصراع عالمي ذي طبيعة ايديولوجية (الشيوعية ضد الرأسمالية) لتفسح المجال لصراع جديد ذي طبيعة مختلفة.. هو صدام الحضارات. وبما ان العقيدة الدينية هي العنصر الاساسي لأي من الحضارات المعاصرة فإن صراع المستقبل سوف يكون بالضرورة صراعاً دينياً. ورغم ان وثيقة ادارة بوش تتحاشى تعريف من هم الارهابيون الا انها تقول انهم جماعات ودول في آن معاً. لكن القائمة الاميركية المتجددة للجماعات والدول «التي ترعى الارهاب» تكفي لادراك المقصود. فالقائمة تتصدرها اسماء كافة فصائل المقاومة الفلسطينية بشقيها الوطني والاسلامي بالاضافة الى «حزب الله» اللبناني.. وأي منظمة اخرى تقوم اجندتها على مناهضة الوجود الاسرائيلي. اما الدول المدموغة بالارهاب فإن غالبيتها العظمى دول اسلامية كسوريا والعراق والسودان وايران. اما منهج العمل الذي تنطوي عليه الوثيقة الاستراتيجية الاميركية الجديدة فهو يقوم على قاعدة «الضربة الوقائية» ضد «الارهابيين» منظمات كانوا ام دولاً اي انه ليس بالضرورة ان يقع هجوم فعلي على المصالح الاميركية او اعتداء على الولايات المتحدة لكي تتحرك واشنطن في شن عملية ضد اي هدف في العالم الاسلامي. بكلمات اخرى فانها ستكون حرباً بلا نهاية ضد المسلمين، متخذة كل الاشكال العدوانية التي يمكن تصورها: من قصف جوي وانزال قوات خاصة الى اعتقالات جماعية واغتيالات شخصية وتدبير انقلابات.. كل هذا وغيره بناء على تفسير واشنطن الاحادي الانفرادي للارهاب. فبينما تنص الوثيقة الاستراتيجية ان الولايات المتحدة ستعمل مع الحلفاء «لسحق شبكات الارهاب» لكنها سرعان ما تستدرك لتقول ان واشنطن سوف تتحرك بمفردها «عندما تقتضي ذلك مصالحنا ومسئولياتنا». وبايجاز فإن مستقبل العالم الاسلامي بات موعوداً بظاهرة استعمارية جديدة تتهدد الشعوب والانظمة الحاكمة في آن معاً على اساس قاعدة «من ليس معنا فهو بالضروة ضدنا». فالانظمة الحاكمة سوف تكون على الدوام تحت تهديد ابتزازي: اما الانصياع الكامل للسياسة الدولية الاميركية واما اسقاط النظام انقلابياً ليؤتى بنظام حاكم جديد كامل العمالة. والهدف بالطبع هو ان تكون كل انظمة الحكم في العالم الاسلامي مجرد امتداد للاجهزة الامنية الاميركية فلا تكون لدى هذه الانظمة الحاكمة اجندة سوى المنظمات والجماعات التي تتخذ موقفاً معارضاً للولايات المتحدة او اسرائيل ـ حتى لو كانت منظمات وجماعات علمانية التوجه. واذا كان الاستعمار الاميركي الجديد يراهن على ولاء الانظمة في العالم الاسلامي فإنه يراهن بنفس القدر على خمود الشعوب. فمتى تنهض شعوب العالم الاسلامي لتبرهن العكس؟