الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 يعيش الخطاب العربي اشكال المرحلة بكل تعقيداتها. اذ لم يسبق للعرب ان واجهوا تحديا كبيرا بالحجم الذي يواجههم اليوم. هذه المرة المواجهة ليست مع اسرائيل فحسب، ولكنها سياسيا ونفسيا مع الدولة الكبرى الوحيدة في العالم والتي ترى في حربها على الارهاب حرباً على الكثير من الدول والاوضاع في العالم العربي. في هذا انتقل العرب الى الدفاع، فعارضوا ضرب العراق والتدخل الاجنبي. الحالة العربية العامة رفضت التدخل الخارجي ولكنها عجزت عن تقديم حل مباشر للمسألة العراقية. هكذا نجد ان الحالة اليوم هي حصاد للعقد الماضي: الذي غزا فيه العراق الكويت، وخرج منها بقوة الحرب، واستمر بعد ذلك يعيش ازمات داخلية وخارجية، وسط تخوفات متفاوتة من الجيران. في كل هذا ظلت المسألة العراقية كما شبهها أحد الاصدقاء: حالة معلقة، تمثل حالة الدول العثمانية المريضة قبل سقوطها في رمال الحرب العالمية الأولى. ظل الوضع العراقي ينتظر مخلصاً وينتظر جديدا. وكأن كل ما حصل في السنوات الماضية هو الانتظار الطويل للحظة تاريخية جديدة. وبينما يعتبر البعض ان الوضع العربي كان بإمكانه ان يعالج المسألة العراقية قبل ان تصل الى ما وصلت اليه، الا ان الكثيرين في العالم العربي يرون ان العرب بوسائلهم السياسية وقدراتهم الراهنة غير قادرين على تقديم علاج جاد للمسائل الاقليمية بما فيها المسألة العراقية. ولهذا فان اكثر ما استطاعوا فعله حتى الان هو محاولة استغلال موازين القوى التي تميل لمصلحة الولايات المتحدة لجعل العراق يقبل بالتفتيش وذلك تفاديا للحرب الاوسع التي نعتقد بصعوبة تفاديها في المرحلة القادمة. القوى العربية اليوم تعيش في جلها في مرمى النيران. مرمى النيران هو الوصف الادق. فهي في مرمى النيران المحلي الذي يريد من الدول العربية ان تتمسك بخطها العربي والمستقل، ويريد منها ان تمتنع عن تسهيل مهمة تغيير نظام عربي بواسطة التدخل العسكري الامريكي. والقوى العربية تحت مرمى النيران لان قيام قوى غير عربية واميركية بانجاز تغيير النظام العراقي هو انعكاس للضعف العربي الاقليمي وانعكاس لعدم مقدرة الدول العربية الرئيسية على حل المشكلة او منع عملية التغيير او القيام بها. ويؤكد تاريخ العالم العربي الحديث بأن الاتجاه السائد في الدول العربية هو عدم التدخل المباشر في الشئون الداخلية بين الدول العربية وعدم تقبل فكرة ان يضغط نظام عربي على نظام عربي اخر من اجل احداث تغيرات سياسية حتى لو توفر الاجماع السياسي العربي والدولي. وهذا بحد ذاته جعل العرب يقللون من التحرك على الصع يد الاقليمي الا اذا كانت ازمة من الازمات قد وصلت الى اعلى مراحلها كما حصل بعد الغزو العراقي لدولة الكويت او بعد زيارة الرئيس المصري السادات لتل ابيب. وهناك احداث تاريخية تؤكد مقدرة العرب على التدخل لحل القضايا وتغيير الابعاد السياسية التي تتحكم بها. لنأخذ التدخل العربي والسوري في لبنان (بإيجابياته وسلبياته ومراحله)، هذا التدخل ادى في نهاية المطاف لايقاف الحرب الاهلية والوصول الى تسوية كما شكل التدخل المصري والعربي في مواجهة تهديدات العراق للكويت عام 1961 في تأمين حل للازمة مدعوم بالقوة العسكرية. هذا كان بفعل موقف عبدالناصر الذي يطالب بانسحاب القوات البريطانية كشرط للتدخل العربي، وقد تم له ما يريد. قريبا سيواجه العالم العربي عاصفة التدخل الدولي لتغيير الاوضاع في العراق. وسيكون هذا التدخل مدعوما بالتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل ومدعوما بقرار دولي من مجلس الامن. ولكن التفتيش هذه المرة سوف يسعى لدخول كافة الامكنة والمواقع في ظل حشود عسكرية تهدد بالعمل العسكري. ان هذا الوضع: التفتيش قد يكون ممهدا لانفجار كبير، فمن خلاله قد تقع الازمات التي تفتح المجال لاوسع الاحتمالات. الحالة العربية تمر بمنعطف صعب وهي في الاساس لم تنجح حتى الآن في حماية الاقليم العربي من ويلات الحرب كما لم تنجح في تأمين حل سياسي لمشكلات كتلك المعلقة في العراق. لهذا تبقى الاحتمالات مفتوحة على كل صعيد ويبقى السؤال هل ينجح العرب في ايجاد مخرج للازمة؟ ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت