الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 لم تنجح واشنطن في كسب تأييد ممثلي اللجنة الرباعية إزاء ما طرحته من إستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة تقوم على جعل الأمن لإسرائيل شرطاً مسبقاً أساسياً للتحرك نحو السلام وقد اعتبر كوفي عنان أنه في حال حقق المسار الأمني بعض التحرك دون إحراز بعض التقدم في المسارات الأخرى فلن يكون ذلك فعالاً. فالصهيونية بطابعها العنصري لا تزال مستمرة في عدوانها وإرهابها كما أن دور إسرائيل في الإستراتيجية الأميركية لم ينته مع نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية بل ازداد عدوانها همجية وإرهاباً واتسع نطاق دعم الإدارة الأميركية لإسرائيل. وما تهدف إليه الإدارة الأميركية من هذه الجولة هو كسب الوقت والعمل على إيجاد ذرائع جديدة لتطويق المقاومة الشعبية وكسر إرادة المقاتلين الصامدين وصولاً إلى تمزيق أوصال الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولأن العمليات الاستشهادية التي تعكس إرادة رجال المقاومة الفلسطينية وجهت صفعات قوية للمجرم شارون وأدخلته في دوامة من الاتهامات والاتهامات المضادة مع الجنود الصهاينة وقادة قوات الاحتلال وأمام الرأي العام العالمي حيال مشاريعه العنصرية التي تستهدف إبقاء قبضته على الأراضي الفلسطينية وتدمير البنى التحتية فيها وإبقاء مشروع الاستيطان الإسرائيلي قائماً واستمراره بتحطيم آمال الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة . فالسياسة الأميركية والإسرائيلية ستجعل المنطقة العربية في حالة عدم استقرار وقد تسبب المزيد من النزيف الدموي وهناك مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون بشكل دائم تحت وطأة هذه الظروف التي يتعرض فيها الشعب العربي الفلسطيني إلى عمليات إرهابية متواصلة وممارسة كافة أشكال الإرهاب وبشكل منظم وعلني وبمختلف أنواع الأسلحة ولا تكتفي إسرائيل بالاغتيالات والملاحقات وتهديم المنازل التي تستهدف الأطفال والنساء والشيوخ وإنما تريد القضاء على شعب بكامله شعب أعزل ومحاصر وممنوع عنه حتى الإمدادات الطبية وتستخدم قوات الاحتلال الطائرات والدبابات والمدافع والصواريخ في حرب الإبادة التي تشنها عليه، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي انشغل العالم بها استغلت إسرائيل بشكل سافر تلك الهجمات التخريبية على الولايات المتحدة الأميركية وصعدت من حرب الإبادة على كل الصعد والاتجاهات في سائر مدن الضفة والقطاع لكن عندما تستثنى اسرائيل من قائمة الإرهابيين وتظل على امتيازاتها المعطاة لها من بوش مادياً وعسكرياً ودعماً لا محدوداً وفي كل الميادين وبالتالي تعفى من المساءلة الدولية، مما يدل على أن الحملة الدولية للقضاء على الإرهاب لن تحقق أهدافها الحقيقية المطلوبة مع الإشارة إلى أن الإرهاب الإسرائيلي يطال أكثر من دولة عربية وإسلامية وإن محاربته ليست مطلباً عربياً أو إسلامياً فحسب وإنما تفرضه طبيعة الحملة الدولية على الإرهاب. ويبدو أن بوش في موقفه يفتقر إلى أي رؤية عادلة أو برنامج علمي هادف حول مشروع الدولة الفلسطينية والاعتراف بالحقوق الشرعية محاولاً تمييع المشهد السياسي الحقيقي تجاه المنطقة سواء ما يتعلق بمبادرة السلام العربية التي أطلقها ولي العهد السعودي وتبنتها قمة بيروت العربية أو عدم اكتراثه بدعوة الاتحاد الأوروبي إلى مؤتمر دولي للسلام حيث لم يتفوه بوش بأية كلمة لهذه الدعوة. فإذا كانت نواياه تتجه نحو إعلان الموافقة على دولة فلسطينية على مساحة 42 بالمائة من الضفة الغربية وقطاع غزة كحل مرحلي أو مؤقت مع تأجيل كل المطالب الأخرى إلى مستقبل من الزمن لا يحدد مداه فإن مثل هذه الاقتراحات الأميركية يكتنفها الغموض ومحاولات التمييع مما يفسح المجال لإسرائيل زمناً للأخذ والرد للمناورة والمماطلة ومحاولة إنهاء ما تبقى من مشاريعها المعلنة بتدمير البنية التحتية للمقاومة الوطنية الفلسطينية عندئذ تكون إسرائيل قد أجهضت الجهود الدولية التي طرحت لإحلال السلام العادل والشامل في المنطقة العربية ولأنها أصلاً لا ترغب بإحلال السلام وما كانت تزعمه من طرح سلمي أصبحت كل مزاعمها واهية وأزيلت هذه الأسطورة من أذهان الرأي العام في العالم وخاصة خلال ممارساتها الراهنة التي تتضح للجميع بأن إسرائيل دولة عسكرية مسلحة وهي مصدرة للسلاح ودولة معتدية وليس معتدى عليها. من هنا تتوفر الذرائع لإقرار هدنة توقف بموجبها المقاومة المسلحة والعمليات الإستشهادية بحيث تتراخى قبضات المقاومين إذا أرادوا استئنافها مستقبلاً وبالتالي في ظل الهيمنة الأميركية تكون الجهود الدولية والمبادرات العادلة مهمشة ولا تفرض وجودها والسؤال الذي يمكن طرحه هل من الحكمة في شيء مطالبة الفلسطينيين بتغيير قيادتهم ووقف المقاومة الوطنية فالرئيس بوش كشف عن جهل حقيقي مدهش بحقائق الأوضاع الفلسطينية فرئيس السلطة ورغم مواقفه المتضاربة وعدم اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الملائم إلا إنه يستند إلى شرعية تاريخية قوية ومن هنا كان موقف وزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز الذي اتخذ موقفاً فاتراً حيال بوش ذلك ما أكدته اللوموند الفرنسية فيما ستفعل الولايات المتحدة إذا أعاد الفلسطينيون انتخاب عرفات في الانتخابات المقبلة وأي أمل لأي مرشح ضد عرفات ما دام سيبدو أمام الجمهور الفلسطيني وكأنه مرشح الثنائي بوش ـ شارون وإن خصوم عرفات في الساحة الفلسطينية يعلنون منذ اليوم إنهم لن يسمحوا بفوز مرشح معارض تحمله الدبابات الإسرائيلية. فالحاخام اليهودي موشي هيرش الذي يدعو إلى إقامة دولة فلسطين ومنح مواطني طائفة ـ ناطوري كارتا ـ المتدينة التي ينتمي إليها جوازات سفر فلسطينية يؤكد إن الإسرائيليين يستغلون اليهودية فهي شيء والصهيونية شيء آخر وإن دولة إسرائيل دنسة لأنها تقوم على أسس شوفينية حيث أن مصادرة أراضي أناس يعيشون عليها أي الفلسطينيين لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الفوضى وطائفته ترفض في الوقت نفسه إقامة دولة يهودية قبل وصول السيد المسيح المنتظر عملاً بما هو وارد في التوراة. ـ كاتب سوري