الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 يجد الشعب الفلسطيني نفسه الآن امام مرحلة جديدة يتعين عليه فيها ان يدفع ثمناً باهظاً لفصل آخر من فصول التواطؤ الاميركي ـ الاسرائيلي ضد قضيته العادلة. لقد بدا من الواضح ان الحكومة الاسرائيلية تستغل الى الحد الاقصى، التطير الاميركي «فيما يتعلق بموضوع الارهاب» خلال المرحلة التي اعقبت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث استطاعت تدمير العملية السلمية، التي كانت قطعت شوطاً بعيداً، واسقاط جميع الاتفاقات المعقودة مع الجانب الفلسطيني، كذلك جعلت من السلطة الفلسطينية، الشريك الطبيعي في عملية التسوية السلمية، موضع شك وتساؤل الى حد ان العالم كله لم يعد يبدي اي اعتراض على مختلف الاجراءات العسكرية المتخذة ضدها، بما في ذلك القتل المتعمد لكل من يرتبط بها، والتدمير المنهجي والوحشي لمؤسساتها كافة. ويلاحظ ان الفشل الذي واجهته الادارة الاميركية فيما يخص توجيه ضربة عسكرية عاجلة للعراق، ترك آثاره السلبية والمباشرة على الموضوع الفلسطيني، حيث التقت رغبات مجموعة الصقور في هذه الادارة بالانتقام من اي هدف تتصوره قريباً من العراق، مع رغبات ارييل شارون والمؤسسة العسكرية الاسرائيلية باستغلال الحنق الاميركي، لالحاق المزيد من الاذى بالفلسطينيين، وكانت النتيجة اعتبار اعمال القتل والتدمير التي تمارسها القوات الاسرائيلية في مدينة رام الله «مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات» وفي مختلف الاراضي الفلسطينية «دفاعاً عن النفس»، ووفقاَ لتصريحات الناطق باسم البيت الابيض، في تعقيبه على الاجراءات العسكرية الاسرائيلية المنفذة ضد مؤسسات السلطة الفلسطينية، وضد الرئيس عرفات شخصياً. جدل حول الدوافع الاسرائيلية وثمة من يجادل بأن ما فعلته اسرائيل خلال الايام الاخيرة انما هو رد على استئناف النشاط العسكري لمنظمات المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك العمليات الاستشهادية، بعد توقف استمر ما يقرب من ثلاثة اسابيع، وقد يبدو هذا التفسير صحيحاً اذا رأيناً جانباً من صورة الموقف في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وليس الصورة بكاملها. بيد ان اي تحليل موضوعي لا يمكن ان يستقيم ويصل الى نتيجة منطقية من دون النظر الى الفعل الاسرائلي، في الوقت ذاته، وهو فعل يتمثل بسلسلة طويلة ومتواصلة من اجراءات القمع الوحشية والقتل «الروتيني» وهدم البيوت وتخريب المنشآت الرسمية والممتلكات الخاصة، والتي تمثل بمجموعها عقاباً جماعياً غير مسبوق بانفلاته وضراوته ضد الشعب الفلسطيني كله. واذا كان من الطبيعي، بل والضروري ان ينشأ جدل داخل المجتمع الفلسطيني حول جدوى العمليات الاستشهادية، سابقاً وحالياً، نظراً لما تتركه من تأثيرات سلبية على المجتمع الدولي من جهة، وعلى القوى المطالبة بتسوية سلمية داخل المجتمع الاسرائيلي من جهة اخرى، فقد كان مفهوماً وطبيعياً ايضاً ان ينشأ جدل مماثل بين القوى الممثلة للشعب الفلسطيني في شأن كيفية التعامل مع الهجمة الاسرائيلية المدمرة، بغض النظر عن الفارق الكبير بين قوة كل من الطرفين وما يمتلكه من وسائل في هذه المواجهة التاريخية الحاسمة. وفي الواقع فإن هذا الجدل ليس جديداً على الساحة الفلسطينية لكنه اصبح الآن اكثر حدة والحاحاً بسبب ضراوة الهجمة الاسرائيلية الشاملة من ناحية، ونتيجة لتزايد معاناة الفلسطينيين الذين يتعرضون لأسوأ انواع العقوبات الجماعية من ناحية ثانية، ولابد من القول ان التباين القائم بين الفصائل الفلسطينية حول استراتيجية العمل في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي هو الذي ادى الى فشل الاتفاق على وثيقة وطنية موحدة تنظم العمل المشترك في المرحلة المقبلة. فالفصائل الفلسطينية العشرة التي تتخذ من دمشق مقراً لها، تعتبر ان اتفاق «غزة ـ بيت لحم أولاً» جريمة، كما ترفض ان تتحول الاتفاقات المرحلية مع الحكومة الاسرائيلية الى استراتيجية فلسطينية ترسم. حدود الوضع النهائي، لان معنى ذلك التسليم بالتخلي عن فلسطين التاريخية، وحق العودة والقدس، مقابل استعادة الضفة الغربية وقطاع غزة، او حتى اجزاء منهما فقط، وهو امر مشكوك فيه على كل حال. بين المقاومة والاستسلام وهكذا.. فإن التصعيد الارهابي الاسرائيلي المتواصل لا يدمر التسوية السلمية في المنطقة، فحسب، بل يضيف اسباباً اخرى لتباين المواقف بين الفصائل الفلسطينية، حيث يصبح التخلي عن خيار المقاومة بالنسبة للفصائل المعارضة بمثابة استسلام كامل امام الارهاب الاسرائيلي، على ان حكومة ارييل شارون لا تفرق بين فصائل فلسطينية معارضة، واخرى ترتبط بالسلطة الوطنية الفلسطينية وتعمل من خلالها. وإلا ما معنى ان تركز الحكومة الشارونية انتقامها على الرئيس ياسر عرفات وسلطته الوطنية، في حين ان الفصائل الفلسطينية المعارضة هي التي تبنت العمليات الاستشهادية الاخيرة وتعهدت بتنفيذ المزيد منها في المستقبل؟ هذا التطور الجديد الذي يمثل ذروة البطش والارهاب الاسرائيليين، يحمل على الاعتقاد بأن حكومة شارون تتعمد حشر الموقف الفلسطيني في الزاوية. يتساوى في ذلك السلطة الفلسطينية والفصائل المعارضة، وهي ترمي الى تحقيق احد امرين اساسيين: اما قبول الفلسطينيين بتقديم تنازلات شاملة تتعلق بالقضايا المختلف عليها كافة، وهي النتيجة التي تعد استسلاماً فلسطينياً كاملاً وقبولاً بالشروط الاسرائيلية، قديمها وجديدها، واما اجبار مختلف القيادات الفلسطينية، وفي مقدمتهم الرئيس ياسر عرفات، على الانتقال الى غزة، كمرحلة اولى، تمهيداً لتنفيذ عملية اوسع تشمل تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين الى الاردن «الوطن البديل» والقضاء نهائيا على مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة الذي تلوح به الادارة الاميركية. ان الحكومة الاسرائيلية تحاول استغلال فرصة انشغال العالم بموضوع العراق لتنفيذ مخططها التهجيري (الترانسفير) بدعم كامل من الادارة الاميركية، ومن الواضح ان النتائج التي توصلت اليها اللجنة الرباعية الدولية في اجتماعاتها الاخيرة، شجعت قوى التطرف الاسرائيلية على التمادي في سياساتها المعرقلة لأي تسوية سياسية مع الجانب الفلسطيني. اذ وضعت اللجنة برنامجا زمنيا لتسوية المشكلة الفلسطينية يمتد حتى العام 2005، جعلت فيه الاصلاحات داخل السلطة الفلسطينية والأمن الاسرائيلي مفتاح العملية السلمية وقاعدتها الرئيسية. وبدلا من ان تحدد اللجنة اهدافا واضحة لعملها، وخاصة ما يتعلق باقامة دولة فلسطينية مستقلة، قررت ان يتم اخضاع قضايا الوضع النهائي لمفاوضات لاحقة، على غرار ما حدث في مرات سابقة، ما سيؤدي تلقائيا الى ابقاء المبادرة في يد اسرائيل نظرا للدعم المفتوح الذي تلقاه من الولايات المتحدة، ولأنها تملك كل وسائل الضغط على الجانب الفلسطيني للحصول منه على التنازلات التي تريدها. حماية دولية للشعب الفلسطيني ان النتائج التي يمكن استخلاصها من كل ذلك هو ان اي تسوية سلمية، سواء اضطلعت فيها اللجنة الرباعية الدولية او اية قوى اخرى، لا يمكن ان تحقق النجاح المطلوب، من دون وضع حد للارهاب الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني اولا، فهذا الشعب لا يستطيع الانتظار سنوات اخرى وهو يواجه منفردا القمع الاسرائيلي الوحشي الذي يستمد شرعيته من الدعم الاميركي، ولذلك بات من الواجب على المجتمع الدولي ان يوفر الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني، عبر مجلس الامن ومؤسسات الامم المتحدة الاخرى، حتى تصبح مساعي التسوية السلمية المبذولة ذات معنى. والمحللون يجدون في كل ما يحدث الآن محاولة اميركية لممارسة مزيد من الضغط على الدول العربية، في صورة خاصة، للحصول منها على تنازلات جوهرية في الموضوع العراقي. واذا خضعت الحكومات العربية لهذا الابتزاز الاميركي ـ الاسرائيلي فإنها ستجد نفسها تواجه ظروفا اكثر صعوبة في المستقبل، ما يفقدها القدرة على ممارسة اي فعل يستند الى منطلقات وطنية طبيعية. ولابد من القول، في هذا السياق، ان اسلوب الصمت ليس من شأنه سوى تشجيع اسرائيل على التمادي في غيها وارهابها، بما يزيد من حجم الكوارث التي تتهدد الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها. ـ كاتب لبناني