الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 ربما يعتقد البعض أن الملف العراقي قد طُويت صفحاته أو أن نهاية ما، باتت قريبة، ستضع حدّا لفاصل من الصراع والمعاناة على مدى الأعوام الاثني عشر الماضية، عندما قبلت بغداد ـ وهي على حافة الهاوية ـ بعودة غير مشروطة لفرق التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. وقد يبادر هذا البعض إلى القول ان بغداد استطاعت أن تناور مناورة سياسية بارعة، وتجعل الولايات المتحدة (أضحوكة) أمام العالم، لأنه لم تعد هناك ذريعة يمكن للأميركان أن يتشبثوا بها من أجل الإطاحة بنظام بغداد، وضرب العراق. وردا على ما سبق فإن هذا القول هو أقرب إلى التمني منه إلى الواقع، ففي الوقت الذي يهنئ البعض أنفسهم على هذه المناورة السياسية، بدت الإدارة الأميركية، في نظرهم، كأنها قد فقدت المبادرة، ما شجع القيادة العراقية على أن تقدم وجهة نظر ـ ألقيت في خطبة أمام ممثلي العالم في الأمم المتحدة، وباسم الرئيس العراقي ـ بينت التفاصيل والشروط العراقية لعودة المفتشين على خلاف ما هو معلن، وإذا بهذه الشروط من جديد تعيد الكرة إلى المربع الأول، فالشيطان أطل برأسه في التفاصيل، كما يقول المثل الإنجليزي، وهي تفاصيل تشدد من جديد، من بين أمور أخرى، على أن تقوم فرق التفتيش (باحترام استقلال العراق ومؤسساته الرسمية)، وهو ما يعني وضع شروط مخفية غير ظاهرة لعودة المفتشين الدوليين، في الوقت الذي كان القبول الأول من دون قيد أو شرط. إذن الملف لم يغلق بعد، وربما لن يغلق، فمازالت فيه أوراق كثيرة لم تُستَوفَ، وما كان التفاؤل الأول من البعض إلا فهما مبتسرا لسير الأحداث. ومن المفارقات أن تأتي هذه الشروط العراقية المبطنة (الضمنية) في الوقت الذي يعطي الآخرون فيه الدرس الدولي الجديد، فتوافق دولة مثل كوريا الشمالية المتشددة على قبول تفتيش دولي على منشآتها النووية! وعجز السياسة العراقية عن فهم سير السياسة الدولية، والعودة إلى دروس المدرسة القديمة نفسها، وهي الموافقة ثم المناورة، وشراء الوقت والتعلل بالزمن، عائد إلى الطبيعة التي يُستقى منها القرار في بغداد، فهو قرار فردي منقطع عن المعايشة، النظام العراقي فيه غير قادر على تجاوز الأزمة المستحكمة منذ سنوات، وهي أزمة، الفوارقُ فيها نابعةُ من الفهم لما صَلُحَ للماضي وما يصلح للمستقبل، وهو شبيه بالفارق بين رسم صورة لرئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق جورج بوش في مدخل فندق الرشيد أحد أكبر الفنادق في بغداد) ليدوس عليها الغادي والرائح (وبين) الإعداد الجاد للتدخل العسكري. لو عرف القادة في بغداد أن رسم الصور على الأرض ـ في ثقافة الغرب ـ هو شيء لا أهمية له على الإطلاق،، لو عرفوا ذلك لربما لجأوا إلى تفكير عقلاني آخر قد يصب في مصلحتهم أو في مصلحة شعوبهم. لقد أصبح الأمر اليوم صراعا بين أقوى دولة في العالم وبغداد: الدولة الكبيرة لها حلفاء لديهم القدرة على المناقشة والرفض والتأثير في السياسة الدولية، كما أن لها أصدقاء غير قادرين على الوقوف أمام ما تريد، وعلى الطرف الآخر تقف دولة اخرى صغيرة. إن قرارا جديدا من مجلس الأمن لا بد له من أن يصدر في الأيام القليلة المقبلة، متشددا في شروطه، رافعا سقف المطالب التي يجب على العراق أن ينقاد لها، باحثا عن ذرائع جديدة لكي يدفع ببغداد إلى زاوية معينة من الحلبة؛ فالبحث عن ذرائع بين الدول، مثلها مثل الذرائع بين الأفراد، فإذا حُدّدَ الهدف فلن تُعدَم الوسيلة، وعلى العراق أن يذعن لتلك الشروط، فإن رفض فعليه وقتها أن يتهيأ للمواجهة، وهي الهدف الذي أصبح محصورا في كلمتين هما: الإطاحة بالنظام. لقد بُذِلت، في الأسابيع القليلة الماضية، جهود دولية مكثفة من أجل إيجاد صيغة مقبولة عالميا، حتى لا تنفرد الولايات المتحدة باتخاذ قرار في شأن التخلص من نظام بغداد، وحتى يكون القرار خارجا من عباءة الشرعية الدولية، مما أعطى لدول متوسطة القوة دورا في اتخاذ مثل هذا القرار، وجعل الإدارة الأميركية تقبل، ربما على مضض، أن يشارك الجميع (منهم الحلفاء والأصدقاء ومنهم من هم على الحياد) في مثل هذا القرار. ثم يفاجأ الجميع بقبول بغداد إدخال المفتشين إلى أراضيها ليتوقف ـ لفترة قصيرة ـ قطار الحرب السريع، الذي كان قد غادر محطته إلى وجهته، التي أرى أنه سيصل إليها في كل الأحوال، وذلك لأن فرص العراق في تحقيق (تفوق) تكتيكي غير متاحة لسببين: أولهما، أن القيادة العراقية لن تكون لديها القدرة على الوفاء بكل الشروط، وإن استطاعت، فلن يستمر ذلك طويلا، خاصة بعد صدور القرار الجديد المتوقع برفع سقف المطالب، كما أن عودة المفتشين (دون قيد أو شرط) تضع العراق كله تحت المجهر المكبر للولايات المتحدة، بكل منحنياته العرقية والسياسية والتقنية والمالية. والسبب الثاني أنه (تفوق) يقود ـ كالعادة ـ القيادة العراقية إلى الظن غير الواقعي بالانتصار، وبالتالي محاولة التملص تدريجيا من الشروط والاستحقاقات المتضمنة عودة المفتشين، أو الشروط الإضافية التي يمكن أن يشملها القرار الجديد، ذلك أيضا سوف يقود إلى المواجهة، ولكنها ستكون مواجهة أسهل، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بعد تحديث المعلومات، وزرع الشكوك، والتعرف الأوسع والأدق على مسرح المعركة. ربما تكمن الفرصة الأخيرة المتاحة في المنعطف القادم فيما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، وهو اقتراح بأن (يترك الرئيس العراقي وعائلته العراق)، من ضمن التعليقات والتحليلات التي قيلت على نطاق واسع، ووجدت لها صدى لدى العامة، أن التغيير في العراق سيؤثر في دول الجوار، وقد وجدت هذه القضية رواجا، وركبتها أقلام كثيرة، تقود إلى القول إن العراق في حالة التغيير سيكون (نموذجا للمنطقة)، وهو قول بعيد كل البعد عن الحقيقة التاريخية، فلا حتى العراق البعثي استطاع أن يؤثر في سوريا البعث، ولا العراق الملكي، الذي كان بينه وبين الممالك القريبة شقاق، استطاع أن يؤثر في تلك الدول جنوبه وغربه، ولم يؤثر العراق (الثوري) أيضا في محيطه، فقد ظل بعيدا عن التأثير وفي ضيق من أمره طوال تلك العهود، وليس العهد المرتقب استثناء، ولماذا هذه المرة يستطيع العراق أن يكون نموذجا في وقت لم يكن ـ تاريخيا ـ كذلك؟! المجتمعات المحيطة تستطيع أن تحمي نفسها عن طريق واحد فقط، وهو الانسجام الداخلي، والتأقلم مع متطلبات شعوبها، ومع العصر. ومن لا يقرأ ما هو مكتوب على الجدران فلا يلومن إلا نفسه. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت