الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 يعرف علماء النفس التبرير بأنه «عملية اعطاء اسباب مقبولة اجتماعياً للسلوك بغرض اخفاء الحقيقة عن الذات» ويضربون لذلك مثلا بالتلميذ الذي اهمل الاستعداد لدخول الامتحان، ولكنه حين وجد نفسه امام الاسئلة التي لم يحضر نفسه لها جيداً، وعجز عن الاجابة عليها، آثر ان يبرر ضعفه بقوله: «كان بإمكاني ان اجتاز هذا الامتحان لولا ان المدرس وضع تلك الاسئلة الصعبة». فالطالب في هذا الموقف يلجأ الى حيلة دفاعية يتخلص بها من الاحراج، والشعور بالفشل، حين يلقي على المعلم تبعة النتيجة التي وصل اليها، وهي ان اسئلته كانت تعجيزية!! ومنطق «التبرير» منطق نجيده نحن ابناء العالم الثالث بطريقة نحسد عليها، وتستحق ان يشاد بها عالميا لانه لم تتفتق العبقريات الاخرى بما جادت به قريحة ابناء كثر ينتمون الى هذه الامة!! والجنوح الى التبرير، واختياره كآلية تستخدم للرد على كل من يتساءل عن سبب حدوث ازمة ما، او عن خلل في اداء بعض المهمات، هو حيلة مكشوفة يتوارى خلفها الشخص الذي يضعف عن مواجهة ذاته وعن تحمل تبعات فعله بغض النظر ان كانت التبعات متوقعة أم انها خلاف ذلك. ومن الصعب تصور الوضع المرتبك لفرد يبني حياته على التبرير كآلية عمل يوظفها في اتجاه تفسير كل خلل او ضعف في عمله المهني، او سلوكه العام، ويجعلها الشماعة التي يعلق عليها هروبه، او تراخيه عن اتمام ما بين يديه من اعمال، او عن اهماله في تهذيب سلوكه الفردي او مواقفه الاجتماعية. فالشخص المدمن لهذا النوع من ردود الافعال لاشك ان جهازه العصبي يتكيف في اتجاه تقوية خطوطه الدفاعية إزاء اي نوع من النقد، او التقييم لما يصدر عنه من افعال، مع استبعاده التام لمجرد التفكير بأن الشجاعة في مواجهة الاخطاء هي اقصر الطرق الى تجنب الوقوع بها في المستقبل. واذا كان هذا التكييف النفسي، والمصاحبة الفردية للتعامل مع الاخطاء بمنطق التبرير، والقاء اللوم على طرف آخر خارجي مرفوضا على المستوى الضيق فكيف لو اصبح «التبرير» آلية عمل معترف بها لدى مؤسسة عامة؟ وماذا لو كانت الشبكات العصبية لافواج من العاملين قد تدربت على هذا الدور، واعتمدته كوسيلة وحيدة للرد على اي تساؤل او شكوى صادرة من الزبائن المتعاملين معها؟! واذا ما غابت «الرقابة الذاتية» واصبحت «الرقابة الخارجية» شبه معدومة، فكيف السبيل للحصول على عائد انتاجي افضل؟ وكيف الطريق للوصول الى الجودة المهنية، والجودة الشاملة في نواحي النشاط الانساني العام؟! ولعل من ابرز النماذج التي تجسد الخبرة العريقة في توظيف صناعة التبرير للخروج من اي لوم او عتاب هم فريق الاعلام المرئي من معدي ومقدمي البرامج الارتجالية التي يشبه الجهد المبذول في اعدادها وتقديمها للجمهور جهد الاطفال الصغار وهم يكتبون على الجدران، ويخربشون على ابواب البيوت!! وقد اولع منفذو هذه البرامج بالسطحية، والاعمال الركيكة الى درجة ان اصبحوا منظرين لمدرسة اعلامية شاملة تعتمد مناهجها من الألف الى الياء على فكرة يتيمة مفادها ان الجمهور مل من البرامج الجادّة، ويرغب في البرامج الخفيفة التي يكون وزنها اخف من وزن الريشة «مع بيان ان الريشة المقصودة هي تلك التي نراها على اجساد الطيور، وليست التي يعرفها ابطال حلبة الملاكمة»!! وهكذا طارت العقول مع برامج من وزن الريشة التي شغف بصناعتها خريجو مدرسة التبرير العامة، حيث ينضوي تحت لوائها محترفو اللف والدوران من اهل الاعلام الذين اراحوا عقولهم من التفكير في القضايا الجادة، وبرعوا ـ بطبيعة الحال ـ في الاحتيال على كل غاضب او معاتب على تقديم تلك العروض الهجينة التي تمطرنا بها فضائيات العرب. اذ ان الاجابة التبريرية حاضرة ومعروفة، فالجمهور يرغب في هذا اللون من الاعمال، واي اعتراض سيكون مردوداً على اصحابه!! واذا ما اصاب اليأس كل عاقل وغيور من جدوى النقاش مع هذه الفئة فليس امامهم من خيار الا ان يحولوا دفة الحديث مباشرة الى الجمهور. وهو ما يجب العمل به، بعد ان اصبح الحوار مع وكلاء التبرير حوار طرشان عقيم!!