الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 حملت الينا الايام القليلة الماضية تقريرين دوليين شارك في احدهما البنك الدولي، وفي الآخر برنامج الامم المتحدة الانمائي، وتناول حالة التنمية الانسانية العربية لعام 2002. والمحزن ان هذين التقريرين يرسمان صورة مفزعة لكل من مستقبل المياه العذبة في الوطن العربي والمخاطر التي تتهدد هذا الوطن، والحالة المزرية التي تتعرض لها الامة العربية بسبب القصور المخيف في التنمية بكافة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية رغم ما تملكه من الامكانيات والثروات الهائلة التي تمكنها من التطور والتقدم اذا ما توفرت الارادة السياسية لدى دولها. ولن اتصدى اليوم للتعليق على هذه التقارير ولكنني سأكتفي بأن اشرك القراء الاعزاء في استقراء بعض مؤشرات الارقام التي وردت في تلك التقارير والتي تكاد تنطق بالواقع الاليم الذي نعيشه: ـ تعدادنا حتى عام 2000 هو 280 مليون عربي يقطنون 22 دولة ويشكلون نسبة 5% من سكان العالم، وفي المتوسط العام نجد ان السكان في الوطن العربي اصغر سنا من سكان العالم، والمتوقع ان يصل عددهم في عام 2020 الى ما بين 410 و459 مليون نسمة مع زيادة نسبة المسنين. ـ معدل نمو دخل الفرد العربي هو الاقل في العالم فيما عدا الدول الافريقية جنوب الصحراء الكبرى. ولم يتجاوز هذا النمو 21 في المئة سنوياً في العقدين الماضيين. ـ اذا استمر معدل نمو الفرد العربي على هذا الحال فمعنى ذلك انه يحتاج الى 140 عاما لكي يضاعف دخله. ـ مازال في الوطن العربي 65 مليون مواطن من البالغين يعانون من الامية، وثلث هذا العدد من النساء. 02 في المئة من الناتج المحلي العربي فقط ينفق على البحث العلمي، ولا تكاد هذه النسبة الضئيلة تصل الى 71 من المعدل العالمي. ـ اجمالي الناتج المحلي لجميع البلاد العربية يقدر بنحو 5312 مليار دولار اميركي وهو اقل من دخل دولة اوروبية واحدة هي اسبانيا. ومازال واحد من بين كل خمسة افراد من العرب يقل دخله عن دولارين في اليوم. ـ حصة المنطقة العربية من اجمالي الاستثمارات الاجنبية لا تتجاوز 1%. ـ التجارة البينية العربية تشكل من 7% الى 10% فقط من التجارة العربية الخارجية. ولم يحدث اي تعديل على هذا المعدل منذ الخمسينيات في القرن العشرين رغم الحديث عن التكامل الاقتصادي. ـ حجم البطالة السافرة في الوطن العربي يوازي 15% من قوة العمل، واذا استمر تصاعده فالمتوقع ان يصل عدد العاطلين الى نحو 25 مليون مواطن عربي في عام 2010. واذا انتقلنا الى الحديث عما يتوقعه الخبراء من نشوب حرب ضارية على منابع المياه في الوطن العربي تصدمنا الارقام التالية: ـ5% من سكان العالم ـ وهم كما ذكرنا سكان المنطقة العربية ـ يملكون فقط واحداً في المئة من المياه العذبة فضلا عما تقوم به بعض الدول المحيطة بأنهارهم من التآمر على مياه تلك الانهار. ـ تتوقع تقديرات الامم المتحدة ان تكون دولتان في الشرق الاوسط فقط في عام 2025 آمنتين نسبيا بالنسبة للمياه وهما تركيا والعراق. ـ نصيب مصر من مياه النيل هو 55 مليار متر مكعب فقط وفقا للاتفاقية المبرمة مع السودان في خمسينيات القرن العشرين بينما يسقط على منطقة البحيرات الاستوائية ما يقرب من 174 الى 178 مليار متر مكعب لا يصل منها الى بحيرة ناصر الا 60 ملياراً بينما يضيع الفاقد الضخم المتبقي في الاحراش الاستوائية. من هنا تتضح ابعاد المؤامرة الصهيونية الاميركية لفصل جنوب السودان ومحاولة خنق مصر وتعطيل مشروعات المياه هناك. ـ دولة الكيان الصهيوني تسرق سنويا 220 مليون متر مكعب من انهار ومجاري مياه هضبة الجولان، و145 مليون متر مكعب من الحاصباني والجولان، و200 مليون متر مكعب من نهر الليطاني، و50 مليون متر مكعب من نهر اليرموك، و520 مليون متر مكعب من مجاري المياه السطحية والجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين المحتلة ونهر الاردن. ـ تستغل تركيا ازمة العراق فتدعي ان لها حقوقا اقتصادية في شمال العراق وتتحدث عن مقايضة البترول في مقابل الحقوق العراقية في مياه دجلة والفرات، وقد افتضحت تلك المؤامرة منذ سنوات وبالتحديد في شهر يوليو من عام 1992، على لسان سليمان ديميريل رئيس الوزراء التركي آنذاك وبمناسبة افتتاح سد اتاتورك الذي اصبح يحجز 49 مليار متر مكعب من مياه نهر الفرات، وقد صرح ديميريل يومها بقوله «ان منابع المياه ملك لتركيا كما ان النفط ملك العرب، وربما اننا ـ اي الاتراك ـ لا نقول للعرب ان لنا الحق في نصف نفطكم، فلا يجوز لهم ان يطالبوا بما هو لنا». يعني باختصار نحن امة من الايتام تتناهشها مخالب اللئام فالصهاينة يسرقون مياهنا، وتركيا تساومنا على نفطنا، واميركا تنهش السودان وتمزقه لتعبث بمياه نيلنا... فهل نظل نغمض عيوننا عن الكارثة التي تلوح في الأفق ونقف عاجزين مستسلمين؟!