الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 ليلة من ليالي الصيف.. كانت نسمات النيل تترامى الى السُمّار الساهرين في «كرمة بن هانئ» - الاسم الذي أطلقه أمير الشعراء شوقي على منزله الذي يطل على ضفاف النهر العظيم.. أوغل الليل في ساعات السمر وكان زوار الشاعر الكبير قد أفاضوا في أحاديثهم حيث شملت شئون السياسة وشجون الوطن وقضايا الساعة.. فيما تطرقت بالضرورة أيضا الى أحاديث الفكر والأدب والفن وربما الفلسفة والتاريخ. مع هذا كله.. كان الجميع ما زال مرتقبا في انتظار الجديد.. نفوسهم كانت تتهيأ وأسماعهم تحتشد.. ولا غرو فقد كان من بينهم - في هذه الليلة بالذات تلك الوشيجة المبدعة التي جمعت بين شوقي وعبدالوهاب. هنالك بدأت نغمات العود تتردد ربما على استحياء حين شرعت أنامل المطرب الصاعد الشاب تداعب الأوتار.. وتطلّع الجمع الى صاحب البيت وهو راعي الكرمة.. أنيس المجلس وهو أيضا مبدع الكلمات التي توشك على أن تنعقد ايقاعاتها فتعطّر سماء المكان وغنى عبدالوهاب. في الليل لما خِلِي إلاّ من الباكي والنُوح على الدُوح حِلِي للصارخ الشاكي ساعتها.. تساءل الشيخ عبدالعزيز البشري.. كيف يسمح لنفسه وهو الأزهري المعمم الذي يعمل في المجمع اللغوي بوصفه واحدا من سدنة اللغة العربية وحارسا من حراس الفصحى.. كيف يتملكه كل هذا الاعجاب بما يسمعه من حنجرة عبدالوهاب الذي انجلى صوته وتجلت نغمات عوده حين واصل النشيد: الفجر شأشأ وفاض على سواد الخميلة لَمحْ كَلَمْح البياض من العيون الكحيلة والليل سَرَحْ في الرياض أدهمْ.. بِغُرّة جميلة هِنَا.. نُواح على الغصون وهِناك، بكا في المضاجع.. لقد ظل عبدالوهاب يشنفّ الآذان المتلهفة كأنما تشرب بالأسماع أقداحا من راح الفن فينساب رحيقها شهدا مختوما في وجدان هذه الكوكبة من أهل الفن والأدب وأهل الفكر والسياسة. وحين وصل الغناء الى منتهاه التفت الأستاذ عبدالعزيز البشري الى الشاعر شوقي سائلا: - يا باشا لماذا لم تنظم من قبل مثل هذه الأدوار؟ - لأني لم أكن أجد الفنان القادر على ترجمتها الى طرب وموسيقى.. - وها نحن وجدناه.. - لهذا نظمت له بالفصحى أولا وغنى عبدالوهاب: يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك.. وغنى أيضا يا شراعا وراء دجلة يجري في دموعي تجنبتك العوادي. - لكن ها هو أمير شعراء الزمان ينظم شعرا بالعامية. - لأنها - كما اكتشفت - أقرب الى أفهام الناس وأوسع انتشارا بين السّميعة والمتذوقين.. ثم أنني التمست هدفا آخر أرجو أن أكون قد حققته في غناء عبدالوهاب أردت أن أُقيل الأغنية العامية من عثرتها أن أنهض بمستوى الطقطوقة من سوقية الابتذال الى حيث يمكن أن تعبر عن معان سامية وأفكار محلقة راقية ثم يسيغها بسطاء الشعب في القرى والحارات وفي النجوع والدروب. و... هكذا انتصر شوقي لجمال العامية حين أضاف اليها دُررا من أغنياته التي أنشدها عبدالوهاب وكأنما ليثبت أن الابداع يمكن أن يظل محلقا في ذرى الرقي والسمو أيا كانت وسيلته في التعبير شريطة أن يملك الشاعر أدواته ويجيد استخدامها ويتقن بين هذا وذاك صف الشعر وهي إحدى «الصناعتين» اللتين تقوم عليهما دعامة الثقافة القومية على نحو ما ألمح اليه أبوهلال العسكري الناقد العباسي القديم. أجمل ما في عاميات شوقي - رغم أنها صيغت بلغة الشعب - أنها بعيدة دوما عن الابتذال وأن الشاعر يعمد - بحكم ارتفاع ذائقته الفنية - الى تلقيحها بروافد من المعاني الراقية والصور الجميلة الرفيعة وأحيانا بالصيغة الثقافية التي ما كان لها أن تُلامس وجدان الشعب ولا أن تجد طريقها الى أذواق الناس وأفهام الناس لولا أن فعلها شوقي.. و.. غناها عبدالوهاب. تأمّل مثلا أغنية لحّنها وأنشدها عبدالوهاب في عام 1927 بعنوان «اللي يحب الجمال» وفيها يقول مؤلفها أمير الشعراء أحمد شوقي: اللي يحب الجمال يسمح بروحه وماله قلبه الى الحب مالْ مالِ العوازل ومالُه نمْ يا حبيبي نامْ سِهْرت عليك العناية يا ريت تشوف في المنام دمعي وطول اسايا بعدها يرسم شوقي صورة كيوبيد، معبود الحب في أساطير الرومان وكيوبيد - كما لا يخفى على ثقافتك - يرسمونه لا يزالون في أهاب طفل رائع الجمال هائم بأجنحته في ساحات الجنان يحمل على كتفه كنانة يرشق بسهامها قلوب المحبين.. وتقول الصورة الغنائية عند شوقي: الحب طِيْر في الخمايل شوفنا غرائب فنونه حاكم بأمره، وشايل على جناحه قانونُه تيجي تصيده يصيدك....الخ وفي عام 1933 غنى عبدالوهاب «النيل نجاشي» ومرة أخرى يستخدم أحمد شوقي ثقافته التي امتزجت فيها روافد التاريخ بذكريات من فجر الاسلام، فيصور نهر النيل في سمرة مياهه المحملة بتربة الخصب التي يجلبها من جبال الحبشة الى الوادي في مصر، بصورة فتى أسمر يستدعيه من التاريخ ويطلق عليه اسم «النجاشي» وهو الأسم الذي مابرح محاطا بهالة من التقدير الايجابي في وجدان المسلمين.. أليس هو الحاكم الحبشي الذي لجأت اليه أفواج الهجرة الأولى للمؤمنين برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. ويومها استضافهم النجاشي وأجارهم فأقاموا معززين في كنفه الى أن عادوا الى أرض الحجاز؟ هكذا يغني عبدالوهاب: النيل نجاشي.. حليوه أسمر عجبني لونُه، دَهَبْ ومَرمر أرغولُه في إِيُده، يسبّح لسيده حياة بلادنا.. يا رب زيُده وقبل حكاية النيل.. الذي هو نجاشي بعام واحد كان عبدالوهاب قد أخرج الى الناس واحدا من أجمل المواويل التي أبدعها الفنان المصري العربي وهو موال «شجاني نوحك». وبالمناسبة فقد كان الموال - كما يقول صديقنا المؤرخ الدكتور فيكتور سحاب - مجرد وصلة طرب يمهد بها المطرب لاداء النمرة أو الفقرة الرئيسية في الحفلة الغنائية، سواء كانت هذه الفقرة هي الدور أو القصيدة.. ولهذا كان الموال غناء مرسلا بغير ايقاع فيما كان أيضا أداء مرتجلا ينطلق فيه المطرب على سجيته ويستقي مقاماته من واقع محفوظاته التراثية. عبدالوهاب هو الذي وضع للموال قالبا لحنيا خاصا به وهو الذي بلور هذا اللون من الابداع الغنائي ليصبح عملا مكتوبا بتدوين النوتة الموسيقية، والمعنى - كما يقول أهل الصنعة أن عبدالوهاب له فضل «تنويت» الموال أو فلنقل فضل تقنين الموال. وكان ذلك في مرحلة الصعود أو التهيؤ للصعود في حياة الموسيقار الكبير وقد امتدت بين عامي 1927 و1933 ويلاحظ أن شوقي كان يتابع معظم سنوات تلك المرحلة الابداعية (رحل شوقي الى عالم البقاء في صيف عام 1932) وقد شارك أمير الشعراء في مواويل عبدالوهاب الأحد عشر بتأليف اثنين منها كان أهمهما الموال الذي ألمحنا اليه ويقول في افتتاحيته: شجاني نوحك يا بلبل وانت بتغني فكّرتني بالحبيب، والفكر جننّي تسألني.. ما الذي أثار كل هذه الأشجان الفنية؟ أو ما الذي أدى الى تقليب كل هذه المواجع في ظل التردي الذي تعيشه أمتنا الطيبة في ثقافة الغناء؟ والحق أقول أن شرعت في تقليب الجزء الرابع من ديوان «الشوقيات» بحثا عن المقطوعات الخفيفة.. المنبسطة وربما الساخرة التي كتبها أمير الشعراء. وحين التمست من يؤنس وحدة الكاتب في هدأة الليل أدرت مؤشر المذياع على البرنامج الموسيقي من راديو القاهرة فإذا بالصوت الصادح الجميل ينساب بكلمات شوقي عن الفجر الذي شأشأ (إنبلج) وفاض على سواد الخميلة.. ومن هنا كانت سطور هذا الحديث. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |