الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 ربما يكون حال الرئيس عرفات أفضل ـ او بالأحرى اقل سوءا ـ من حال الرئيس صدام. فبينما تتيح اسرائيل للرئيس الفلسطيني ثلاثة خيارات لمغادرة التاريخ. فإن الولايات المتحدة لم تضع امام رفيقه العراقي سوى خيارين. ومن العجيب ان اعلان «مصير» كل من هذين الرئيسين العربيين لم يأت على لسان الرئيس بوش و«الرئيس» شارون كما تقتضي آداب البروتوكول وانما ورد، امعانا في الاستخفاف، على لسان وزيري الدفاع ـ دونالد رامسفيلد وبنيامين بن اليعازر. الخيارات الاسرائيلية الموضوعة امام الرئيس عرفات هي: العزل او النفي الاجباري او القتل. هذا «السخاء» الاسرائيلي يقابله شح اميركي نسبي. ذلك ان رامسفيلد ـ ذلك البلطجي الذي يقتصد في استعمال الكلمات ويلفظها بهمس شرير ـ لم يترك للرئيس صدام سوى خيارين فقط: النفي الاختياري ـ أي يقتنع الزعيم العراقي بمغادرة الحكم والعراق ليقضي بقية عمره في منفى من اختياره ـ روسيا مثلا.. او يواجه حتمية الاطاحة بنظامه بالقوة الاميركية. ولا أدري ماذا يدور بخلد القادة العرب الاخرين وهم يرون المافيا الاسرائيلية ـ الاميركية ماضية في تحضيراتها بشأن القضاء على اخوين في العروبة والاسلام. ولكن اذا توفر لكل منهم الحد الادنى من بعد النظر فإنهم لابد ان يدركوا انه لو تحقق للثنائي بوش ـ شارون هدفهما كما يريدان فإن هذا سيكون إيذانا بفصل جديد في مستقبل الوطن العربي. اقصاء عرفات نهائيا عن بؤرة الاحداث الفلسطينية سوف يعني بالضرورة تصفية آخر ما تبقى من مؤسسة السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا على الاقل ما يخطط له شارون بعين «توراتية». هدف شارون الاستراتيجي هو ضم الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية باعتبار ان ارض الضفة جزء من «ارض الميعاد» المنصوص عليها توراتيا» كوعد الهي للأمة اليهودية. وبما ان هذا الهدف لا يتحقق إلا بالقوة المسلحة فإن ما يخطط له شارون «تكتيكيا» هو الغاء خيار التفاوض، والغاء هذا الحوار يتطلب بدوره الغاء عرفات والسلطة الفلسطينية لتتفرغ القوات الاسرائيلية بعد ذلك لمهمة ابادة فصائل المقاومة الفلسطينية ـ قادتها وكوادرها على حد سواء. لكن هذا «الانجاز» الشاروني لو تحقق لن يكون نهاية قصة بل بداية قصة جديدة تحت عنوان «الترحيل القسري». واذا كان هناك من القادة العرب من نسي او تناسى مشروع «الوطن البديل» الذي ابتدعه شارون فليوقظ ذاكرته لان المرحلة التالية بعد ضم الضفة الغربية لنهر الأردن الى اسرائيل ستكون استهداف الضفة الشرقية. «الوطن الحقيقي» للشعب الفلسطيني في رؤية ارييل شارون هو دولة الاردن (بالاضافة الى قطاع غزة). واذا قدر للسيناريو الشاروني ان ينجح (لا سمح الله) فإن الخطوة بعد تصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة وضم الضفة الغربية الى السيادة الاسرائيلية ستكون تنفيذ برنامج للتهجير الجماعي القسري لقطاعات الشعب الفلسطيني الى دولة الاردن. واذا كان الاردن سيكون الهدف الاسرائيلي التالي بعد ذهاب الضفة الغربية فإن لبنان سيكون الهدف الاميركي التالي بعد العراق. ربما لا يكون لبنان هدفا مقصودا لحد ذاته. وحتى لو كان كذلك فإن الهدف الاكبر في هذا السياق هو تقليم أظافر سوريا. كيف؟ مثلما حفز الانتصار في افغانستان ادارة بوش على استهداف العراق فإن انتصارا تحققه في العراق باسقاط النظام الحاكم وتنصيب نظام عميل من فصائل المعارضة العراقية الخارجية الخاضعة تماما للارادة الاميركية سوف يكون حافزا قويا لدخول مغامرة اخرى. وأغلب الظن ان الخطوة التالية ستكون هبوط قوات «كوماندوز» اميركية في الجنوب اللبناني لالحاق هزيمة حاسمة بحزب الله. واذا ازيل «حزب الله» من الوجود فإن من المحتم ان تفقد دمشق اهم ورقة عسكرية ـ وبالتالي دبلوماسية ـ في معادلة الصراع مع اسرائيل. من ناحية اخرى فإن اسرائيل قد تستغل المناخ القتالي العام الناشيء عن المغامرة الحربية الاميركية في العراق لبعث حملة جوية او صاروخية لسحق المنشآت النووية الايرانية. اما التداعيات على الصعيد الشعبي العربي التي يمكن ان تنطلق وتتضاعف كرد فعل للحرب الابادية الاسرائيلية في الضفة الغربية والحرب الاميركية في العراق ثم لبنان فلا يمكن التنبؤ بها. لكن في كل الاحوال لا يمكن استبعاد احتمال طوفان شعبي جارف. وهذا هو الاحتمال الذي ينبغي ان يكون الآن هاجس القادة العرب وهم يرون واشنطن وتل أبيب تقرران مصير رئيسين عربيين. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |