الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 في مقال سابق في هذه الصفحة تكلمنا عن احداث 11 سبتمبر وفنتازيا الاعلام الغربي وشرحنا كيف استغلت المؤسسات الاعلامية الغربية الحدث لتؤكد الصور النمطية والتشويه والتضليل والافكار التي تتماشى وتتناغم مع الايديولوجيا والفكر والثقافة والحضارة الغربية، كذلك شرحنا كيف ابتعد الاعلام الغربي عن جوهر الحدث وعن الاسباب وعن التناقضات التي تدير هذا العالم والقوى الخفية التي تسيره لمصلحة حفنة من تجار الحروب وسماسرة البورصات وتجار النفط والاسلحة. في هذا المقال نحاول ان نشرح كيف تفاعل الاعلام العربي خلال عام كامل مع احداث الحادي عشر من سبتمبر وكيف قرأ الحدث وفسره للرأي العام العربي، كيف رد على افتراءات الاعلام الغربي واتهاماته لكل ما هو عربي واسلامي.. من خلال الملاحظات التالية نحاول ان نشرح بالأدلة والبراهين فتور وسلبية وعقم وتبعية الاعلام العربي سواء تعلق الامر بالفضائيات او بالمحطات الاذاعية او بالصحف والمجلات. أولا: كيف يا ترى تفاعل الاعلام العربي مع الذكرى الاولى لأحداث 11 سبتمبر؟ وهنا نلاحظ ان هناك من خصص برامج وساعات بث طويلة وهناك من اعد ملفات ووثائق.. الخ وكأن اميركا اصبحت جزءا لا يتجزأ من الوطن العربي، اصبحت وسائل الاعلام العربية مهتمة الى درجة كبيرة بهذه الذكرى. وهنا نتساءل كيف مرت الذكرى العشرون لمجزرة صبرا وشاتيلا؟ والى اين وصلت محاكمة السفاح شارون؟ ام ان الذاكرة الجماعية العربية اصبحت مشلولة الى درجة انها لا تتذكر جرائم حرب راح ضحيتها الآلاف. ام ان الدم الاميركي اشرف من دم ضحايا صبرا وشاتيلا. هناك من تحسر على ضحايا حادثة 11 سبتمبر ونسي ان يتذكر ووفق تقارير الامم المتحدة ان هناك 6 آلاف عراقي يموتون شهريا بسبب او بأخر سواء كان الامر يتعلق بنقص الدواء او الامراض والاوبئة، او غير ذلك.. الخ. ثانيا: يتصف الاعلام العربي بكونه اعلاماً سلبياً واعلاماً دفاعياً اي انه لا يملك الاستراتيجية والجرأة والخبرة ليكون في موقع الهجوم وليس الدفاع. وهذا ما حدث بالضبط في حادثة الطائرة المصرية التي كانت تقل ضباطا على متنها. فبعد هجوم الاعلام الاميركي والاسرائيلي والتشكيك في ان الحادثة كانت بفعل فاعل وهي عملية انتحارية تسارعت وسائل الاعلام العربية في الدفاع عن اعضاء طاقم الطائرة وتوجههم الديني السليم.. الخ. ففي الوقت الذي يجب ان يكون فيه الاعلام العربي في موقع القوة والهجوم والكشف عن تناقضات الطرف الآخر يحاول ان يدافع عن الجهة العربية وبذلك يتوه في مشاكل لا تحصى ولا تعد ويخسر المعركة قبل بدايتها. هل استطاع الاعلام العربي ان يشرح وبطريقة علمية ومنهجية ان لا علاقة بالمنفذين والدين الاسلامي وأن الدين الحنيف بريء منهم وهل نستطيع من جهة اخرى ان نحكم على المسيحية من خلال انحراف حفنة من القساوسة وممارساتهم اللاأخلاقية؟ مع الاسف الشديد نلاحظ ان نسبة كبيرة من المؤسسات الاعلامية العربية وخاصة الفضائيات اهتمت بالشكل والبهرجة والسبق والى ما ذلك على حساب الرؤية الاستراتيجية للعمل الاعلامي وكيفية معالجة الاحداث وفق منطق يتناسق مع قيم ومباديء وأسس لا يستطيع احد المتاجرة بها. وهذا ما يقودني للكلام عن بعض الفضائيات العربية التي سارعت لبث صور مجموعة من الاطفال العرب يرقصون فرحا لما حدث في 11 سبتمبر، بل وأن البعض الآخر تسارع للاعلان عن ان جهة فلسطينية تبنت الحادثة. وهنا نلاحظ ضعف الرؤية والتحليل الايديولوجي والسياسي والاستراتيجي للخبر فالقضية هنا لا تتعلق بتقديم صور فقط ثم الانسحاب وانما يجب ان نحلل هذه الصور ونقرأها ونفسرها للمشاهد ونضعها في اطارها التاريخي والسياسي والايديولوجي حتى يكون هذا المشاهد وهذا القاريء والرأي العام محصن امام السيل الجارف من الصور والمعلومات والاخبار التي يتلقاها على مدار الساعة من قنوات ووسائل اعلام مشحونة بالدعاية والتضليل والحقد لكل ما هو عربي ومسلم. كما تسارعت بعض المؤسسات الاعلامية في بث خبر القبض على ابن الشيبة لكن وحتى اليوم لم يتأكد ان هذا الخبر صحيح فالجهات المعنية بالأمر نفت نفيا قاطعا سقوط ابن الشيبة في ايادي اجهزة الامن الباكستانية. ونفس الشيء حدث مع خبر وفاة ابن لادن. وهنا نلاحظ تبعية الاعلام العربي وعدم نضجه وانعدام الرؤية عند الذين يخططون لهذا الاعلام ان كان هناك تخطيط. فالهم الوحيد هو الظهور والبهرجة والربح. ثالثا: انه من غير المعقول ان يتحول الاعلام العربي الى مجرد آلة تردد اطروحات الاعلام الغربي ورؤاه ولاحظنا في العديد من المرات بثاً مباشراً لمؤتمرات صحفية وخطب وتصريحات للساسة والمسئولين الاميركان والغربيين والاسرائيليين وترجمة فورية لدعاية تعتمد على التضليل والكذب والتزييف والتشويه واخفاء الحقائق والتركيز على بعض المعطيات وهذا بطبيعة الحال لخدمة رأي ووجهة نظر المتحدث. هل الاعلام العربي ملزم بالقيام بهذه الخدمة المجانية؟ وبذلك المساهمة في فبركة رأي عام قد يتعاطف مع قضايا وآراء ووجهات نظر هي في الاساس اسباب نكبته ومحنته. حادثة 11 سبتمبر لم ينجح الاعلام العربي في تسويقها على انها خلل في الآليات التي تدير وتسير النظام العالمي، سواء اقتصاديا ام سياسيا ام على مستوى القانون الدولي والمنظمات الدولية. اميركا التي دفعت ثمن الارهاب في 11 سبتمبر رفضت وما زالت ترفض مرارا وتكرارا مؤتمرا دوليا عن الارهاب حتى يحدد ويعرف علميا ودوليا للجميع. اميركا التي عانت ويلات الارهاب تمول ارهاب الدولة الذي يمارسه يوميا شارون على الشعب الفلسطيني. هذه التناقضات والثغرات في القانون الدولي وفي النظام الدولي يعمل الاعلام الغربي على تجاهلها وتهميشها عن قصد وبذلك لا نجد مساحة لها في وكالات الانباء والمؤسسات الاعلامية الغربية التي مع الاسف الشديد هي التي تحدد الاجندة للاعلام العربي التابع والمغلوب على أمره. رابعا: هل تساءل الاعلام العربي عن محاولة التدخل الاميركي السافر في تحديد مناهجنا الدينية في مدارسنا وكيف يجب ان نعلم الدين الاسلامي لأبنائنا؟ هل تساءل الاعلام العربي عن ازدواجية المعايير الاميركية ازاء الارهاب وازاء النضال. معروف للعام والخاص ان اميركا تبنت ابن لادن عندما كان يجاهد لتفتيت الاتحاد السوفييتي حيث كان حينذاك بطلا لانها استعملته واستعملت طالبان والقاعدة لتحقيق مصالحها، لكن عندما اكتوت بالنار التي كانت تلعب بها اصبح الامر ارهاباً. اميركا ومعظم الدول الغربية مثلت القواعد الخلفية للجماعات الارهابية التي كانت وما زالت تنشط في العديد من الدول لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. وليعلم الاعلام العربي ان الارهاب ليس وليد 11 سبتمبر وانما الارهاب له تاريخ يقترن بالنزاعات الدولية والسياسة والمصالح الاستراتيجية وهذا منذ قرون. هل تساءل الاعلام العربي لماذا لم تعلن اميركا الحرب ضد الارهاب قل 11 سبتمبر رغم انه كان موجوداً ومنتشراً في مختلف انحاء المعمورة؟ ام ان هناك ارهاباً جيداً اذا خدم مصالح الولايات المتحدة الاميركية وهناك ارهاب سييء اذا هدد مصالح «العم سام»؟ هذا هو المنطق الاميركي للتعامل مع الارهاب والغاية تبرر الوسيلة. خامسا: هل تحمل الاعلام العربي مسئوليته وأعلن للرأي العام ان ما تقوم به اميركا من حرب ضد الارهاب هو مخالف للقوانين والأعراف الدولية ومخالف لحقوق الانسان، وأن أكثر من 500 سجين في جوانتنامو يقبعون في الحبس في ظروف لا انسانية وهم لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد مع احداث 11 سبتمبر، هل يعلم الرأي العام العربي ان عشرات المئات من الطلاب العرب حرموا من اكمال دراستهم في اميركا لا لشيء الا لانهم عرب وأن البيروقراطية المخابراتية السافرة الظالمة العنصرية قد شاءت ان تكون الامور كذلك. هل اخبر الاعلام العربي الرأي العام ان السفاح شارون اغتنم احداث 11 سبتمبر لابتزاز الادارة الامريكية والقيام بما يحلو ويطيب له للقضاء على المقاومة وكل ما هو دولة فلسطينية. انه من المؤسف جدا ان نخسر حربا استراتيجية بحجم الحرب الاعلامية، حرب الافكار حرب المباديء حرب القيم والثقافة والحضارة والايديولوجية، صحيح اننا نملك تكنولوجيا اعلامية واتصالية لا بأس بها، لكن مع الاسف الشديد ان الوسيلة لا تغطي على الرسالة والوسيلة بدون رسالة لا تعني شيئاً نحن اذن بحاجة الى صحوة اعلامية جذرية ترتكز على رؤية واضحة واستراتيجية تعتمد على البحث والتخطيط والتقييم ليس على البهرجة والتقليد الاعمى والتبعية القاتلة. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |