الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 تبدو الولايات المتحدة ماضية في مخططاتها لضرب العراق غير عابئة بأية اعتراضات دولية أو قرارات أممية يمكن أن تعارض مخططها، فالأمر كما صرح أكثر من مسئول أميركى سوف ينفذ حتى لو تحركت الولايات المتحدة وحدها وسواء عاد المفتشون أم لم يعودوا، ولعل أحد أبرز الأدلة على ذلك ما نقلته رويترز يوم الثلاثاء 17 سبتمبر الجاري عن مصادر ملاحية من أن الولايات المتحدة قدمت طلبا للقيام بواحدة من أكبر عمليات الشحن البحرى لمعدات عسكرية من أوروبا إلى الخليج، وأشارت رويترز في تقريرها إلى أن «هذا الطلب الذى تقدمت به القيادة العسكرية للعمليات البحرية التابعة للبحرية الأميركية والمسئولة عن نقل المعدات بحرا هو أضخم طلب من نوعه حتى الآن» وهذه هى العملية الرابعة حسب التقرير التى تطلب فيها الولايات المتحدة نقل عتاد إلى الخليج عبر سفن تجارية منذ شهر أغسطس الماضى، مما يعنى حسب رأى كثير من المراقبين أن أميركا غير عابئة بكل المواقف المضادة لحملتها العسكرية المرتقبة ضد العراق. ومع الحديث عن الحرب فلابد من الحديث عن تكاليفها لاسيما وأن حلفاء الولايات المتحدة العرب مع اليابان قد قاموا بدفع معظم تكاليف الحرب الماضية ضد العراق والتى وصلت إلى واحد وستين مليار دولار أو بحسابات اليوم حسب تقديرات مارك ويبروت المدير المشارك لمركز البحث الاقتصادى والسياسى في العاصمة الأميركية واشنطن بلغت واحدا وثمانين مليار دولار، وقد أعلن رجال وزير الدفاع الأميركى دونالد رامسفيلد أن الحرب الجديدة يمكن أن تبلغ تكاليفها خمسين مليار دولار إلا أن لورانس لينزى مستشار الرئيس الأميركى ورئيس المجلس الأقتصادى الوطنى قال في حديث أدلى به لصحيفة «وول ستريت جورنال» اليمينية التوجه في الولايات المتحدة نشرته الاثنين 19 سبتمبر الجاري أن الولايات المتحدة بحاجة إلى مئتي مليار دولار لشن حرب على العراق، وأن هذا يمثل حوالي اثنين في المئة من الناتج القومى الأميركى البالغ عشرة تريليونات دولار في العام، وقد أجابه وزير الخزانة الأميركى بول أونيل في اليوم نفسه الذى نشرت فيه «وول ستريت جورنال» مقابلتها بأن الولايات المتحدة يمكنها تحمل التكاليف المادية لأى عمل لازم ضد العراق، وأكد أونيل المعروف بميوله اليمينية أنه «أيا كان القرار النهائى سوف ننفذه بنجاح ويمكننا تحمل التكلفة». ويأتى هذا الجدل حول التكلفة المتوقعة للحرب مع جدل بين خبراء الاقتصاد عن مدى تأثيرها على الاقتصاد الأميركى لاسيما وأن حرب أميركا السابقة ضد العراق أدت إلى انتعاش الاقتصاد الأميركى الذى كان يعانى من الكساد بداية التسعينيات لأن الحلفاء هم الذين تكفلوا بدفع التكاليف فانتعشت صناعة السلاح والدعم اللوجستى للحرب وقامت الدول الحليفة بعد ذلك بشراء كميات هائلة من السلاح ما زال لها دور في انتعاش الشركات الأميركية. ولم يظهر لينزى في تقديراته وكذلك رجال رامسفيلد في تقديراتهم الأقل بكثير من تقديراته شيئا عن تفاصيل هذه التكلفة ومجالات إنفاقها وهل هى فقط لحرب خاطفة لاسقاط نظام حكم الرئيس صدام حسين أم للمدة التى يتحدث عنها الخبراء وهى عن نية أميركا البقاء في العراق عشرين عاما لضمان تدفق مستمر وآمن ورخيص للنفط، لكن يبدو أن لينزى يتحدث عن تكلفة عام واحد لأنه ربطها بمستوى الدخل القومى لمدة عام، وهذا ما جعل كثيرين من الأميركيين المعارضين للحرب يؤكدون على أن الدخول في هذه الحرب له أسباب كثيرة منها أسباب داخلية تتعلق بالفضائح المالية للرئيس ونائبه ومن هؤلاء مارك ويبروت إلا أن ويليام هوجلان عضو اللجنة المالية في الكونغرس برر الاقدام على الحرب وقيمة تكاليفها الباهظة بأنها تعود إلى«كلفة الأجيال الجديدة من المعدات العسكرية والصواريخ» التى من المؤكد أن أميركا سوف تجربها على البشر الذين ترى أميركا انه لا قيمة لهم في العراق. وقد دفع إعلان لينزى عن التكاليف إلى بداية جدل ساخن حول من سيشارك في التكاليف لاسيما وأن بريطانيا الحليف القوى لأميركا أعلنت عن نيتها المساهمة بقسط ضئيل للغاية ربما لا يزيد على مليار جنيه استرلينى، لكن أميركا تتطلع لحلفائها الذين دفعوا الفاتورة السابقة ـ رغم أنهم يئنون الآن تحت وطأة الديون ـ بأن يكون لهم الدور الأكبر في تحمل الفاتورة الجديدة، وإلا فإنهم ربما لن يسلموا بعد ذلك مما لن يسلم منه صدام حسين، فيا ترى من الذى سوف يدفع فاتورة الحرب المقبلة؟ ـ كاتب وإعلامي مصري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |