الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 من شأن كلمات د.عبدالله النفيسي التي اوردها في برنامج «بلا حدود» ان تستوقف كل مهتم بشأن واقع الامة ومستقبلها، وان تحظى بكثير من النقاش والتحليل كي تتحرك الاذهان في اتجاه مزيد من التدقيق في اداء كافة شرائح وفئات هذه الامة المترامية الاطراف. فلقد سجل د.النفيسي شهادته على غياب الوعي عن وجدان الامة بكلمة اسمعت من به صمم، وفتحت الباب على مصراعيه لولوج مختلف التحليلات التي بإمكانها ان تفسر كيفية الخروج من مرحلة «التثاؤب التاريخي» الذي تمر به على رأي الدكتور الفاضل. فلقد تبعثرت الاوراق من بين ايدي اغلب شرائح الامة، وتطايرت في آفاق الارض، وسرح الخيال بأهل الملة بعيدا عن الواقع، وطاب لهم موقف التثاؤب والالتفات يمنة ويسرة في اعلان صريح ومشهود بأنهم قد اعوزتهم الحيلة، وعجزوا عن دفع ضريبة «اليقظة التاريخية» التي تدفع بالامم للاستنفار الكامل فرادى وجماعات للدفاع عن الحرمات، وصيانة الممتلكات. واذا كان التثاؤب في حق النابهين والاقوياء من الامم مرفوضاً، فكيف به في حق الضعفاء المهزومين من الداخل، الذين يراد بهم السوء، وتدبر لهم المؤامرات، وتحاك ضدهم الدسائس؟!! واذا كان التثاؤب الفردي ممنوعاً في هذه المرحلة البالغة التعقيد فكيف اذا كان التثاؤب خيار امة بأكملها نامت، واستكانت، وتدثرت بلحاف الكسل، وافترشت النوم وتوكأت على مشاعر الانكسار والشعور بالشلل والعجز عن فعل اي شيء سار يعيد للامة شيئاً من كرامتها، ويحفظ لها ما تبقى من ماء الوجه قبل ان تريقه الاحداث والمفاجآت التي بدأت تطل برأسها، وتنذر بالويل والثبور، وعظائم الامور!! ولعل ابسط محاولة للكف عن استمرار «حالة التثاؤب التاريخي» التي اشار اليها المحلل السياسي البارز تتمثل في القيام بمحاسبة للذات، ومراجعة شاملة ودقيقة لكشف حساب فاتورة الخدمة في مشروع التوقف عن حالة الاستعداد لمزيد من النوم الاسود، والنهوض من تحت عباءته الثقيلة. وأول ما يجب حصره في عملية التقييم الذاتي، والمراجعة الفردية لفاتورة الولاء والانتماء لمرحلة ما بعد النهوض من سنوات الغفلة اكتشاف حجم الاهتمام الشخصي، والارتباط الوجداني بالقضايا العامة وحجم المساحة التي تشغلها في نفس كل فرد وتستحوذ من خلالها على تفكيره ومشاعره. فاذا ما اكتشف المرء ان مشاعره متدفقة تجاه قضايا امته، وحاضرة في ذهنه، فما عليه الا ان يحصر الوسائل التعبيرية التي تثبت صدق دعواه، وتبرهن على مزاعمه!! ان الدعم النفسي اللامحدود للقضايا الحساسة هو الذي يترجمه سلوك يومي فعال في اتجاه النهوض بالواقع المعقد، واضافة بعد انتاجي ملموس في خدمة هذه القضايا، والدفع بها الى طريق الحسم لصالح الحق والعدالة. اما ان يقتصر السلوك الفردي، والوسائل التعبيرية على قطرات من الدموع سالت في لحظة انفعال مؤقت، او على بذل قليل من الدراهم المعدودة قدمت على سبيل الصدقة والاحسان، او ان يكون التعبير عن الانتماء الكبير مقصوراً على زفرات حارة يرسلها الفرد اذا رأى احد المشاهد المأساوية التي تعرضها وسائل الاعلام، ثم اضاف الى هذه الاشارات الخاطفة، والصور الضئيلة الاثر بضع كلمات، ومجموعة شعارات في حب فلسطين، والتغني بها فذلك كله لا يعد عملا مجديا، ولا يمكن النظر اليه على انه جهد يكفي لاخراج الامة من مرحلة التثاؤب التي حدثناكم عنها. ومن جديد يعيد السؤال نفسه، كيف يمكن النهوض من حالة الهروب عن اداء الواجب؟ ويختبيء الجواب حائراً خجولا من ان يدلي بشهادته على ان اعدادا هائلة من جموع هذه الامة مازالوا في زمن الانتظار، وانهم امهر من رموا بالحمل عن كواهلهم، وقذفوه في وجه اول من طرأ ذكره على بالهم من الاعداء. فالجموع الغفيرة مازالت في زمن اهله يجيدون لغة الكلام كوسيلة دفاعية وحيدة، وكعدة نهائية للفعل الحاسم، وكعمل قاصف لا يبقي ولا يذر. والرأي لكم ـ قراءنا الكرام ـ هل هذه الحسبة تقود الى نصر قادم، ام ان زمن التثاؤب اصبح زمنا بهيجاً لا يرضى من دخل فيه ان يخرج منه الا وهو مجرور الى مصير بائس!! الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |