الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 من الحالات التي يدرسها طلبة العلاقات العامة بكليات الاعلام والمعاهد المتخصصة الحالة المتمثلة في القصة التالية: في أوائل التسعينيات اصبح توماس موناجهان أحد الأثرياء في الولايات المتحدة، فقد امتلك مجموعة تاريخية من السيارات الفاخرة، واشترى فريق «تايجر ديترويت» للبيسبول. كان توماس هو مؤسس ورئيس مجلس إدارة «بيتزا دومينوز» التي تعد أسرع سلاسل مطاعم البيتزا نمواً في صناعة يبلغ حجم سوقها 13 مليار دولار أميركي، حققت مبيعات «بيتزا دومينوز» نمواً هائلاً ارتفع من 179 مليون دولار عام 1981 إلى ملياري دولار عام 1990 فقد كانت تبيع 230 مليون بيتزا في العام. ارتبط نجاح «بيتزا دومينوز» بسياسة تسويقية هي ضمان أن تصل البيتزا الى منازل الزبائن خلال 30 دقيقة وإلاّ فإن الشركة تتعهد بخصم مبلغ 3 دولارات أو تقديم البيتزا مجاناً، ولتحقيق هذا الغرض كان عدد السائقين في «بيتزا دومينوز» 75000 سائق. في نهاية الثمانينيات تعرضت الشركة لحملة شديدة بسبب سياستها الخاصة بتسليم طلبات العملاء خلال نصف الساعة التي تعهدت بها. فقد تكررت الشكاوى من أن هذه السياسة التسويقية أدت الى فوضى مرورية وحوادث كثيرة وسقوط قتلى وجرحى، وتصاعدت الحملة فأصدر أحد معاهد السلامة تقريراً جاء فيه ان عشرة على الاقل من سائقي «بيتزا دومينوز» قد قتلوا في عام واحد وكلهم من الطلاب الذين يعملون بعض الوقت، وتقل أعمارهم عن 18 عاماً، كما ان سائقي «بيتزا دومينوز» كانوا أطرافاً في 100 حادثة مرورية أخرى نتج عنها مقتل عشرة أفراد وعشرات من المصابين اصابات خطيرة. تحول مفتاح نجاح «بيتزا دومينوز» إلى مصيدة لها، وتعالت الأصوات مطالبة بإسقاط هذه السياسة التي تدفع السائقين الشباب الى تجاوز السرعة ومخالفة قواعد المرور. ما الذي تفعله الشركة؟ هل تتخلى عن سياستها التي كانت سبب نموها ونجاحها؟ التخلي عن هذه السياسة ربما يؤدي الى خفض حاد في المبيعات وتراجع مكانة الشركة من المرتبة الثانية التي كانت تحتلها بعد (بيتزا هت) وانحدارها ربما إلى المرتبة العاشرة! الاستمرار في هذه السياسة سوف يجعل من وجبة «بيتزا دومينوز» وجبة قاتلة للأبرياء، مما يؤدي ايضا الى تراجع مكانة هذه الشركة! واجهت الشركة أن تختار بين سياستها التسويقية أو الأمن والسلامة. وكان الحل عند رجال العلاقات العامة. هنا يطرح أساتذة العلاقات العامة على تلاميذهم السؤال التالي: ماذا يمكن ان تفعل لمواجهة هذه الازمة؟ انتهى مثال وسؤال اساتذة العلاقات العامة التي برع فيها الاميركيون تنظيراً وتطبيقاً، وبقيت بعض الاسئلة التي يمكن ان نطرحها نحن استنباطاً من الحالة التي يطرحها اولئك الاساتذة على تلاميذهم ويدفعونهم الى البحث عن اجابات لها. ترى هل يصلح توماس موناجهان وبيتزا دومينوز الاميركيان نموذجاً لأميركا الدولة والدور الذي قامت به لتسويق مبدأ الديمقراطية والترويج له، ثم سقوط هذا المبدأ على يدها في مناطق عدة من العالم؟ سوف نضرب مثالاً واحداً من منطقة قريبة من أميركا الدولة هو نموذج تشيلي الواقعة تحت اقدام اميركا القارة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية، وما قامت به أميركا الدولة متدخلة في تغيير نظام الحكم فيها دون ان تقيم وزناً للديمقراطية التي تدعي غراماً بها. في سبتمبر من عام 1970 تم انتخاب سلفادور الليندي رئيساً لتشيلي في سابقة تاريخية فريدة، فقد كانت المرة الأولى في التاريخ التي يجري فيها انتخاب رئيس ماركسي في انتخابات ديمقراطية. وقتها اتجهت انظار العالم أجمع الى تشيلي. لقد رشح الليندي نفسه لانتخابات الرئاسة ثلاث مرات قبلها ونجح في المرة الرابعة. قبل عام من وصول الليندي الى سدة الرئاسة منتخباً من الشعب كانت المؤامرات التي قيل ان الولايات المتحدة رعتها قد بدأت بتمويل المتطرفين اليمينيين وإغراء بعض الجنرالات ذوي الميول الانقلابية، وكان العسكريون في حالة استنفار في ثكناتهم ينتظرون التعليمات. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها الليندي تطبيق المباديء الاشتراكية بتأميم ثروات البلاد الطبيعية والتوسع في الاصلاح الزراعي بصورة دراماتيكية أدت إلى استيلاء الكثير من سكان الريف المتحمسين على الأرض بطريقة عشوائية، والقضاء على الاحتكارات التي كانت تتحكم في السوق في تشيلي. منذ تلك اللحظة عملت الولايات المتحدة على إفشال التجربة خشية نجاح أفكار الرئيس الماركسي المنتخب وان يتسبب نجاحها في انتشار الاشتراكية في بقية انحاء القارة فعمدت الى الغاء القروض وفرضت على تشيلي حصاراً اقتصادياً. ومع بداية عام 1973 كانت تشيلي قد وصلت الى حالة ميئوس منها، فقد دبت الفوضى، وتفاقمت المشاكل الاقتصادية، وانتشرت اعمال تخريب تبادل الاتهامات بارتكابها المتطرفون من اليسار واليمين لينجلي غبار المعركة يوم الثلاثاء 11 سبتمبر من ذلك العام (لاحظ اليوم والتاريخ) عن انقلاب عسكري اطاح بالحكومة والرئيس المنتخب الذي قال الانقلابيون انه قد انتحر بعد رفضه الاستقالة المفروضة عليه، وتشكيل مجلس لحكم تشيلي بقيادة الجنرال اوغستو بينوشيه ذلك العسكري الغامض الذي عينه الرئيس مكان الجنرال براتس الذي وجد نفسه مضطرا للاستقالة بعد مطالبة الجنرالات له بذلك لكونه من أنصار الدستور والسماح للرئيس الليندي بإنهاء فترة رئاسته بسلام. كما اختلط غبار المعركة بدور ـ لم تتضح جميع معالمه ـ للمخابرات المركزية الاميركية في مساندة قادة الانقلاب الذي أودى بحياة الآلاف من التشيليين في القتال الذي دار بين المؤيدين والمعارضين للمجلس السياسي مما دفع به الى ان يزج بمعارضيه في السجون، وحل المجلس التشريعي، وحظر الاحزاب السياسية، وتقييد حرية الصحافة وادخال تشيلي في نفق الديكتاتورية، وتحول بينوشيه الى كابوس جثم على صدور التشيليين ستة عشر عاماً كاملة، وحتى عندما فرض عليه ان يسلم وشاح وكرسي الرئاسة ويتراجع الى الخلف بعد انتخاب باتريشيو ايلوين رئيساً عام 1989 كان على التشيليين ان يتحملوا فصلاً آخر من ديكتاتوريته عندما اشترط البقاء رئيسا لهيئة اركان القوات المسلحة، وقد امتثلت البلاد لذلك بصمت خوفاً من انقلاب آخر. الفصول الأخيرة من الرواية دارت احداثها بين اسبانيا وانجلترا وتشيلي، وكانت أقرب الى المهزلة. كم مرة تكرر بعد ذلك النموذج التشيلي في مناطق أخرى من العالم؟ هذا ما اترك لك عزيزي القاريء مهمة البحث عنه، مستذكراً معك النموذج الايراني ممثلا في الشاه، والنموذج الفلبيني ممثلا في ماركوس والنموذج البنمي مثلا في نورييجا، وفي كل مرة كان يتكرر فيها هذا السيناريو كان المزيد من الدم يسفك ملطخاً ثوب الديمقراطية التي ما عادت سلعة صالحة للتسويق بعد كل هذه الكمية من الدماء التي اريقت على ثوبها.. هذا الثوب الذي يتمزق يوماً بعد يوم على يد اولئك الذين فصّلوه بمقاسات مختلفة الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |