الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 منذ زوال الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة كانت فرنسا هي القوة الأوروبية الأولى المرشحة للتمرد ضد الهيمنة الأميركية الدولية. لكن الآن تبرز ألمانيا كقوة اشد تحديا للولايات المتحدة. وليت العرب ينتبهون لهذا التحول التاريخي المتفاعل واستخلاص ما يجب استخلاصه لأن احد اهم اسباب التذمر الالماني ضد واشنطن يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط. المشهد الماثل امامنا حاليا هو ذلك الخلاف الالماني الأميركي الحاد حول المسألة العراقية. لقد فاجأ المستشار الالماني غيرهارد شرويدر الرئيس الأميركي بوش ـ بقدر ما فاجأ رفاقه القادة الأوروبيين الآخرين بمن فيهم رئيس فرنسا جاك شيراك نفسه ـ بأن المانيا تعارض اي عمل عسكري اميركي ضد العراق فضلا عن انها في كل الاحوال لن تشارك فيه. ومما جعل هذا الموقف الالماني، على فجائيته، اكثر تشددا من الموقف الفرنسي ان شرويدر يؤكد على رفضه حتى لو جاء الهجوم الأميركي على العراق في اطار الامم المتحدة. لكن الموقف الالماني تجاه السياسة الاميركية نحو القضية العراقية يجب ان ينظر اليه في اطار اوسع. فهو ليس سوى شرارة اشعلت تراكمات من الغضب الالماني المكتوم لمدى اكثر من نصف قرن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وبتحديه الولايات المتحدة فان شرويدر يعبر عن شعور شعبي عميق الجذور بالاضطهاد. وعبر الاجيال الالمانية المتعاقبة ظل هذا الشعور الشعبي يتراكم ويتسع نطاقه وتزداد حدته الى ان زال الخطر السوفييتي بنهاية الحرب الباردة. ونعلم ان من أولى نتائج انهيار الامبراطورية السوفييتية اعادة توحيد الشعب الالماني بانضمام المانيا الشرقية الى المانيا الغربية. ورغم هذا التطور فان الشعور الشعبي بالاضطهاد بقى معتملان داخل النفوس، فقد واصلت الولايات المتحدة معتملاً مع المانيا كدولة ناقصة السيادة باصرار واشنطن على الدولة الأوروبية الكبرى دولة منزوعة السلاح. أجل.. لقد برزت المانيا ما بعد الحرب العالمية كقوة اقتصادية من قوى الصف الأول في العالم لكن نفوذها الدولي السياسي ليس بهذا المستوى نظرا لكونها ضعيفة عسكريا. وكان لابد لهذا الوضع الشاذ ان ينعكس على طبيعة التحرك الالماني في ساحة العلاقات الدولية. فقد ظل تابعا للسياسة الدولية الاميركية. وعلى مدى السنوات العشر الاخيرة منذ انتهت الحرب الباردة أخذ التذمر الشعبي الالماني ضد الوصاية الاميركية يتصاعد. واشتد تصاعده مع مضي واشنطن قدما في تجاهل الاتحاد الأوروبي والعالم باتخاذ خطوات احادية على الصعيد الدولي تتناقض رأسيا مع مصالح الاخرين. والقائمة طويلة.. ونأخذ منها على سبيل المثال الرفض الأميركي العنيد لتقليص معدلات تلوث البيئة العالمية وموقف واشنطن المعادي لانشاء المحكمة الجنائية الدولية واتخاذ اجراءات حمائية لصالح الشركات الاميركية تلحق اضرارا بالشركات الأوروبية. غير ان السياسة الأميركية الانحيازية تجاه قضية الصراع العربي الاسرائيلي هي التي ادت الى تصعيد الغضب الالماني اكثر من غيرها. فالساسة الالمان باتوا ينظرون الى التأييد الأميركي المكشوف لاسرائيل ضد الشعب الفلسطيني كوصفة لزيادة القضية تعقيدا على تعقيد مما سيؤدي حتما الى تداعيات خطيرة تنعكس اكثر على اوروبا لارتباطها الجيو ـ سياسي مع منطقة الشرق الاوسط. وعلى خلفية التذمر الالماني المتصاعد جاءت الآن قضية العراق. لكن حتى لو لم تعمد الولايات المتحدة الى تسخين المسألة العراقية لكانت القضية الفلسطينية على المدى البعيد هي الشرارة التي تشعل الغضب الالماني. ان الموقف الحازم الصارم الذي اتخذه الزعيم الالماني شرويدر تجاه التدابير العسكرية الأميركية نحوالعراق ينبغي اذن الا ينظر اليه كموقف عابر. انه اعلان استقلال عن الهيمنة الاميركية ورد اعتبار للقومية الالمانية والسيادة الوطنية. ان شرويدر يتحدث الان عن «طريق ألماني» مستدعيا بذلك التاريخ الالماني في ثلاثينيات القرن الماضي عندما ظهر على الصعيد الشعبي تعبير «الطريق الخاص» الذي مهد لحزب أدولف هتلر اكتساح الانتخابات العامة وتسلم السلطة. وليس هذا هو المؤشر الوحيد لصلة الحاضر بالماضي. فتصاعد الغضب الشعبي الالماني ضد الهيمنة الاميركية يترافق معه على خط مواز تذمر ضد السيطرة اليهودية على مؤسسة السلطة الالمانية. والتعبير الذي يتخذه هذا التذمر المتنامي هو ازدياد الهجوم على اسرائيل ومن ثم الاتكاء عى هذا الهجوم لانتقاد الزعامات اليهودية الألمانية. وعندما تتأمل هذا المشهد العجيب المتحرك فانك تستشعر ان هناك بعدا ناقصا فتتساءل: اين العرب؟ واين الدبلوماسية العربية لاستثمار هذا التحول التاريخي؟ الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |