الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 أثبت علماء التاريخ والآثار أن معظم ما بلغنا من سير الأقدمين، شفاهة كان أم نقشا على حجر أو أثر أم كتابة، هو من صنعة القادرين الأقوياء أو المنتصرين الظافرين في حركة التدافع الانساني. ومع ذلك فقد حذر هؤلاء من وجود المزورين والأفاقين وأدعياء البطولة في الزمن القديم كما هو الحال في عصرنا الراهن. فالمنتصرون كانوا يتطلعون الى تخليد فضائلهم وتعريف الخلف بما كسبته أيديهم ومد آجال أعمالهم الى ما بعد حياتهم القصيرة. أما الأدعياء فقد استغلوا مقدراتهم ومواقعهم أو ملكاتهم في التأثير على حفظة السير والتواريخ لينسبوا اليهم ما لم يدركوه بأنفسهم الصغيرة العاجزة عن قول أو فعل حميد يستحق الذكر. ولا يعدم التاريخ نماذج من كلا الفريقين ممن سعوا الى السطو على مآثر غيرهم وتسجيلها بأسمائهم. فكان يحلو لبعض امراء حروب الأزمنة الدارسة الإغارة على ما دَونَهُ أسلافهم من ذويهم أو أعدائهم، وشطبه أو تدميره ثم إحلاله بما يرفع من شأنهم هم ويسفه السابقين. وفي أحسن الفروض كان بعض هؤلاء من لصوص التاريخ يعمدون الى وضع أسمائهم وألقابهم بجانب عظماء السلف، جاعلين من المجد والعظمة إرثا مشتركا! لهذا ونحوه توالت تحذيرات المؤرخين العدول منذ وقت بعيد، من الاعتماد على ما تقع عليه أيدينا وكشوفنا التاريخية والتسليم به باعتباره حقائق لا تتطرق اليها الشكوك. فحقل البحث في التاريخ الانساني عموما موبوء بالأكاذيب والتزوير والانتحال. وثمة أيضا النقيصة الكبرى المتعلقة بوجود المسكوت عنه والمخبوء الذي لم يعرف بعد أو يكتشف، وجله يدور حول أيام الأمم والشعوب وتواريخ القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المستضعفة، التي لم تقيض لها أقدارها البائسة أن تقول كلمتها للأجيال التالية. المثير في هذا السياق، أن تطور أدوات البحث ومناهجه ومدارسه وتقدم تكنولوجيا الاتصال بمفهومه الواسع، لم يضع حدا لهذه الظاهرة «الاشكالية». بل ولعل العكس هو الصحيح، على محمل أن هذا التطور أدى الى تكريس سيطرة الأقوياء والمنتصرين على صناعة التواريخ الفارقة والأحداث الانعطافية على الصعيد العالمي. أي نظرة بانورامية على حجم المطبوع والمنشور والمتلفز وكل ما يتعلق بتعميم المعرفة أو عولمتها، تؤكد هذه المقولة. التقدم التكنولوجي أتاح بلا ريب مزيدا من الآليات والأدوات، التي سهلت مهمة الأقوياء في هضم حقوق الضعفاء والمتخلفين على صعيد التعريف بأدوارهم في تحديد أهم الوقائع والأحداث. وبدلا من أن يكون تلفيق هذه الوقائع محدودا في زمن الأولين بأطرهم المحلية أو الاقليمية الضيقة أو الأوسع بعض الشيء، بات في أيامنا هذه متاحا الى أبعد مكان في الكوكب. أقوياء العصر هم الذين وصفوا حروبهم في القرن الماضي بالعالمية ووسموها بأرقام مميزة، فصارت لدى التاريخ الانساني حربين عالميتين أولى وثانية. وهم الذين احتكروا تواريخ الأمم والشعوب بأثر رجعي فكتبوها بمعرفتهم ونشروها في موسوعاتهم طبقا لأهوائهم وتفسيراتهم. وهم الذين ما زالوا يراهنون على تصنيف الدول بالمنهجية ذاتها بين من هم معهم وضدهم، بين أخيار وأشرار، بين أهل شمال وجنوب.. وهم لا يكتفون بتحديد المهم وغير المهم من أخبار أهل الدنيا كلهم، بل ويمضون حثيثا الى تنميط كل الآخرين بحسب نوازعهم وعاداتهم في المأكل والملبس والمشرب والاستهلاك والانتاج وطرق التعليم والتربية والثقافة.. الخ. في تقديرنا أنه بدون هذا المنظور الشامل لصناعة التاريخ يصعب تفهم موقع معنى الحادي عشر من سبتمبر. هناك عشرات الوقائع والأخبار التي تستحق اهتماما أبرز وأكبر بالنسبة لشعوب أخرى غير الشعب الاميركي، قبل ذلك اليوم وبعده، لكن 11 سبتمبر يتصل بالقوة الأعظم في عالمنا الراهن. القوة التي يمكنها عبر آلتها الاعلامية الدبلوماسية السياسية العسكرية الجبارة، إقحام ذلك اليوم على الجميع بصفته يوما مفصليا في التاريخ، ليس تاريخها وحده وإنما تواريخهم هم أيضا. لا ندري مثلا لماذا يكون مصرع زهاء مئتي ألف من اليابانيين بفعل قنبلتي هيروشيما ونجازاكي عام 1945 مجرد «أحد تفصيلات» الحرب العالمية الثانية، بينما يصبح مصرع أربعة آلاف اميركي ـ وغير اميركي ـ في 11 سبتمبر 2001 حدثا فاصلا في مسار التاريخ الانساني كله؟ وبالمثل لماذا لا تكون مصارع الملايين في حروب الاستعمار والتحرير في آسيا وأفريقيا واميركا اللاتينية مساوية على الأقل في تداعياتها وفي استحضارها التاريخ وتذكرها لهذا الحدث؟.. وعلى صعيد التاريخ العربي مثلا، لماذا لا يكون يوم اندلاع انتفاضة الأقصى وهبة عرب 1948 ضد آخر نماذج الاستعمار وأكثر ارهابية، أهم بكثير من يوم 11 سبتمبر الاميركي؟ سيقال إن هذا التميز لحدث عن حدث وتاريخ عن تاريخ، مرده الى انعكاسات هذا أو ذاك على المسار الانساني العام للتاريخ والأحداث التالية وتفاعلات العلاقات الدولية، وهو تبرير معقول ومقبول بصفة عامة، غير إنه لا يكفي لتفهم كل هذه الزفة الدولية بالنسبة لذكرى الحادي عشر من سبتمبر بالذات. وحجتنا ـ وحجة الكثير فيما نحسب ـ في ذلك أن ما جرى في ذلك اليوم كان حدثا «كاشفا» فقط لما تبعه من تداعيات وليس «منشأ» للأحداث والتفاعلات على الاطلاق! ترى هل كانت السياسة الاميركية قبل 11 سبتمبر أكثر انسانية وديمقراطية وعدلا ومراعاة لحقوق الانسان والشعوب وعزوفا عن الهيمنة واستخدام القوة في مشارق الأرض ومغاربها واحتراما للتنظيم الدولي، ثم انقلبت على ذلك كله غداة ذلك اليوم؟! كان بوسع واشنطن أن تجعل 11 سبتمبر فاصلا بين حقبتين وعهدين ومرحلتين من مسار التاريخ، لو أنها عدلت عن سلوكياتها التقليدية في المحيط الدولي، لكنها أثرت العكس وهو الغلو في سياساتها المعروفة من قبل. إذن أين هو التحول الكبير الذي يتحدثون عنه ويحاولون بيعه لنا وللكافة على مدار العام الماضي وبأثر مستقبلي للقرن كله. ألا يدعو للسخرية أن يعتبر 11 سبتمبر هو حدث القرن الحادي والعشرين بينما لم تمض من سحابة هذا القرن سوى سنتين إثنتين؟ من ذا الذي أعلم أصحاب هذه المقولة بما تخبئه السنوات الثماني والتسعون الباقية من وقائع وأحداث؟ د. محمد خالد الأزعر ـ كاتب فلسطيني الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |