الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 في العقد الاول من الثورة الايرانية عندما كان الحديث عن الغناء والطرب والرقص من الامور غير المتعارف عليها في المجتمع، بل وربما من الامور المحرم مناقشتها في بعض الاوساط كان ثمة من يجادل من بين المثقفين الاسلاميين الايرانيين بضرورة التفريق بين موسيقى وموسيقى وبين حركة «راقصة» واخرى وبشكل عام في اي سياق او في اي اطار يتم تركيب مجموعة الحركات او الممارسات الفنية، لانه عندها سيختلف الامر عند الاستنتاج والاستنباط والفتوى. وكان البعض من اهل النكتة والفكاهة من الفنانين يسأل مثلاً: ما العيب في ان يحرك الانسان يديه بهذا الاتجاه او ذاك؟ او ان يحرك رجليه بهذا الاتجاه او ذاك؟ او ان يحرك رأسه.. الخ من الحركات الانفرادية الاخرى! ثم أليس كل واحدة من هذه الحركات حلالاً؟! فيجيبه فنان آخر «ملتزم» بالقول: تحليلك اعجبني كثيراً لكن تركيبك خيب ظني بك، ويضيف: نعم ان كل حركة منفردة لوحدها قد تكون امراً مقبولاً ومتعارفاً، وقد تؤدي وظيفة فاضلة ايضاً لكن مجموع تلك الحركات إذا ما اجتمعت في وقت زمني واحد واضيفت اليها آلات الطرب المختلفة وحصل ذلك كله في فضاءات واجواء لهو وفساد وافساد عند ذلك تصبح التركيبة العامة تركيبة الرقص الحرام والغناء الفاسد. وبالفعل فإن بعض انواع الموسيقى التي كانت تبدو محرمة في العقد الاول من الثورة والرقص الفردي والجماعي المحرم ايضاً باجماع اكبر ولا يزال عند الاكثرية من اصحاب الرأي والاجتهاد. فإن بعضاً منها او كثيراً (اي من الموسيقى) والقليل النادر منه اي من الرقص الاقرب الى الفولكلور الشعبي بات مسموحاً به مع بدايات العقد الثالث للثورة دون الحاجة للدخول في جدل حاد مع المعارضين. والسبب هو ان كثيراً من الفضاءات اختلفت وكثيراً من سياقات العمل تغيرت، حتى غدا مصطلح الرقص لدى البعض من الفنانين والمثقفين الاسلاميين والسياسيين من صناع القرار ينحو منحى آخر وصار اسمه «الحركات الموزونة» فأخذ بعداً عرفانياً وتربوياً!.. واليوم ثمة من يقول بأن الامر في السياسة والعمل السياسي قد يشبه كثيراً موضوع العمل الفني لا بل ان البعض قد يذهب الى ابعد من ذلك بالقول بأن ميدان السياسة اكثر سيولة واثارة للجدل والتحفظ والتحفظ المضاد والسبب في ذلك هو اولاً: ان ميدان السياسة ليس ملك اللاعب المعني وحده، فهو لا يلعب في مسرح مغلق مخصص له ولجماهيره اولاً، وثانياً: فإن ميادين العمل السياسي ميادين لزجة ومتحركة قد تقلب في اللحظة الواحدة اكثر من مرة وفي اتجاهات شتى. واذا ما اعتبرنا تعريف السياسة الشهير بأنها «فن الممكن» يلامس واقعها بعض الشيء لذلك يمكن الاستنتاج بأن ما هو ممكن مع فريق قد يكون غير ممكن مع آخر، وما هو متاح للاعب في لحظة تاريخية قد يكون غير متاح للاعب آخر وان ما هو «حلال» في مقطع زمني بمعنى مقبول ومشروع للاعب قد يكون غير مشروع وغير مقبول لنفس اللاعب في لحظة اخرى الى ما هنالك من مئات الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة. رغبت ان استعير هذه المحاكاة اليوم وعيني على العراق الكيان والدولة والقطر والشعب المسلم الشقيق لنا جميعاً عرباً ومسلمين وهو يمر في لحظة تاريخية في غاية الاهمية والخطورة، وهو يعيش اليوم في عين العاصفة التي تنتظره والتي قد تحدد مستقبل المنطقة كلها وليس مستقبله لوحده. وحتى لا افهم خطأ، او استفز مشاعر بعض ضيقي الافق الذين لا يتحملون رأياً آخر غير رأيهم او تقديراً للموقف يختلف عن تقديرهم، فأقول وبوضوح لا لبس فيه: ان من حق الشعب العراقي وحده ومن حق نخبه السياسية والمثقفة ان تحدد مستقبل العراق كما يريدون ولا احد يعترض هنا على حق هؤلاء في الاصلاح او التغيير. اقول متسائلاً واظن ان معي العشرات بل المئات وربما جماهير واسعة وعريضة من الرأي العام العربي والاسلامي: لماذا لا تميز المعارضة العراقية بأشكالها المختلفة لا سيما تلك الاسلامية منها بشكل واضح وشفاف وملموس بين موقفها المعارض لنظام بغداد وبين مشروع الادارة الاميركية الراهنة الخاص بالعراق والذي يحمل في طياته مخاطر اكيدة وكارثية بحق شعب العراق اولاً ومقدرات الوطن العراقي ثانياً؟! وانا اقول وازعم وأظن ان معي عدداً لا بأس به من المخلصين من الرأي العام العربي والاسلامي ممن لا منافع او مصالح شخصية او خاصة بهم لا عند الحكومة العراقية ولا عند اية جهة اخرى في المنطقة او العالم، بأن المعارضة العراقية بأشكالها المختلفة لا سيما الاسلامية منها تخطئ الظن وتسيء تقدير الموقف عندما تقول: «ان اللحظة التاريخية لاستثمار الموقف الاميركي باتجاه تحقيق أهداف المعارضة المستقلة والحرة قد حانت». وهي بالمناسبة جوهر ما تقوله المعارضة عندما تبرر اجتماعاتها الاخيرة بواشنطن في اطار الفصائل الستة. بالمقابل فإن ظني وتقديري وزعمي بأن من يستطيع ان يستثمر ويستغل في هذه اللحظة التاريخية الآخر لمصلحته المباشرة هو الادارة الاميركية وليس العكس والاسباب التي تدعوني لمثل هذا الاستنتاج كثيرة لكن اهمها هي: 1) ان فرص المعارضة المتاحة للتغيير «المستقل» في العراق ضعيفة جداً بالمقارنة مع فرص القوى العظمى المستأسدة على العراق وغير الصادقة لا مع المعارضة ولا مع حليفاتها او صديقاتها من الدول الاقليمية التي تراهن او تعتمد عليها المعارضة. 2) ان الحكومة الاميركية المستأسدة الآن على العراق لأسباب تعرف المعارضة قبل غيرها بأنها مناهضة لآمال وطموحات ورؤية العرب والمسلمين اجمعين وليست صادقة بالتأكيد مع شعب العراق، ولا هي قادمة من اجله، هذه الحكومة لم تعترف بعد بشرعية المعارضة العراقية ولم تستقبلها باحترام يليق بحكومة بديلة مثلاً او يليق بحركة تحرر او ما شابه، بل في اطار لعبة صغيرة ومشوبة بالشبهات الكثيرة وحكايات توزيع اموال المخابرات وما شابه مما يعطي الانطباع القوي بأنها لا تريد من هذه المعارضة لا سيما الاسلامية منها الا ان تشكل غطاء او عباءة. 3) ان الحكومة والاجهزة الاميركية الراهنة وهي تتحرك ضد العراق وضعت المعارضة سلفاً في خانة «البديل المعد للعراق» سواء بنموذج افغانستان او ما يشابهه في العراق والكف عن المراهنة على شيء اسمه الاسلام او «العمامة» او مجرد تذكر تاريخ ثورة العشرين او كل من حمل البندقية او تنادى للجهاد يوماً على ارض العراق. 4) ان معادلة التغيير في العراق الممسوكة حالياً من طرف واشنطن بقوة كما تعرف المعارضة انما يلعب بها في اطار لعبة اكبر عنوانها تغيير خرائط المنطقة كلها واسدال الستار على كفاح الشعب الفلسطيني نهائياً، اي السيطرة على ثروات المنطقة بشكل نهائي وضمان أمن اسرائيل الى الأبد. 5) ان المعارضة العراقية تريد دخول لعبة دولية كبرى وهي لا تملك أوراقاً قوية خاصة بها، بل ان اغلب اوراق اللعبة بيد الطرف الآخر، بما فيها الحكومات العربية والاسلامية في غالبها بل وحتى الكثير من النخب العربية والاسلامية التي تخاصمها المعارضة العراقية بالمقابل وتخوض معركة مجانية ضدها يومياً من خلال اعتبار كل طرف ليس معها تماماً بأنه مع صدام حسين والنظام العراقي. اخيراً وليس آخراً، اقول بأن العديد من الذين يحذرون المعارضة من فخ الوقوع في حبائل لعبة «الشيطان الاكبر» لا يقصدون بالضرورة تخوين كل المعارضة، وبالتأكيد لا ينكرون تضحيات الشعب العراقي وآلامه ومحنه ومعاناته ومناقب المعارضين وتضحياتهم ولا يريدون لا من قريب ولا من بعيد تصحيح الاوضاع القائمة لكن ذلك لا يعفي ابداً المتصدين للقضية العراقية وهو عراق المسلمين، من اخطاء استراتيجية قاتلة قد يقعون فيها لان النوايا الحسنة بالسياسة لا تحمي احداً مهما علا مقام تقواه. محمد صادق الحسيني ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |