الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 أثار انتباهي غيابه عن مناسبتين مهمتين.. الأولى كانت الاحتفال الواسع بمرور خمسين عاما على ثورة يوليو التي كان أحد جنودها الأوفياء منذ اختاره عبدالناصر بنفسه عضوا في تنظيم الضباط الأحرار. والمناسبة الثانية كانت احتفال الجزائر الشقيقة بمرور أربعين عاما على انتصار ثورتها العظيمة، وقد كان للرجل دوره في القتال مع أبطال ثورة المليون شهيد الذي رواه في كتاب مهم (عبدالناصر وثورة الجزائر) ضم الكثير من أسرار الثورة ووثائقها والعلاقة الوثيقة التي ربطتها بثورة يوليو بقيادة عبدالناصر. إنه رجل المهام الصعبة الذي عرفه كل الثوار العرب وتعاملوا من خلاله مع ثورة مصر، واستعانوا ـ عن طريقه ـ بإمكانيات الشقيقة الكبرى في نضالهم من اجل التحرير والاستقلال.. والذي ناضل في صمت وتواضع على طول الأرض العربية وعرضها.. من الجزائر الى الخليج، ومن العراق الى ليبيا، ومن شبه الجزيرة العربية إلى عرب المهجر. دفاتر الذكريات ولم يكن سعيي إليه لمجرد تقليب دفاتر الذكريات، أو البحث في أسرار المرحلة التي ساهم في صنع أحداثها.. وما أكثرها لديه، و لكن اللقاء معه كان ـ في الأساس ـ بحثا عن اجابة لأسئلة الحاضر بكل ما فيه من احباط وفشل وعجز.. واهمها: لماذا نجحنا في الماضي وفشلنا اليوم؟ لماذا ـ ونحن نعيش المناسبة ـ استطاعت الثورة الجزائرية مثلا أن تنتصر في معركتها الصعبة ولماذا تتعثر الثورة الفلسطينية؟ الحديث مع فتحي الديب صاحب التجربة الكبرى في هذا المجال، واحد معاوني عبدالناصر المقربين في التعامل مع الملفات العربية، والحوار يمتد إلى العديد من القضايا على مدى خمسين عاما من النضال العربي بكل ما فيه من نجاحات وفشل. ورغم الظروف الصحية التي يمر بها الرجل فإنه يظل مهموما بقضايا الوطن العربي الذي يمر بأدق مراحله. يتذكر فتحي الديب البدايات الصعبة لثورة المليون شهيد، وكيف أعلنت عن نفسها بعمليات عسكرية تفجرت أول نوفمبر 1954. ويستعرض عمليات الاعداد الطويلة لمجموعة من الشباب التي عملت في الأحزاب السياسية حتى يئست من مناورات المحترفين وبدأوا البحث عن طريق اخر لتحرير الوطن. ويروى فتحي الديب قصة أول لقاء مع مزياني مسعود الذي عرف بعد ذلك باسم أحمد بن بيلا والذي مازال حتى الآن وثيق الصلة به. كان ذلك في مارس 1954 في أحد اجتماعات جامعة الدول العربية للتنسيق بين الحركات والأحزاب السياسية في شمال افريقيا. يومها تقدم منه شاب يتحدث الفرنسية ويعتذر بأن الاستعمار هو الذي فرض على شعب الجزائر لغة بعيدة عن لغة القرآن، وقال الشاب يومها أنه يمثل جيلا جديدا من المناضلين في الجزائر كفر بالعمل الحزبي الذي لم يحقق للجزائريين شيئا ولم يترك أمامهم الا طريقا واحدا للحصول على استقلالهم وهو النضال المسلح. وشرح الشاب الجزائري الموقف بوضوح. لقد جاء إلى القاهرة بعد ان نجح في الهرب من سجنه، وبعد أن تم اتخاذ قرار بدء الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، وعدد رفاقه لا يتجاوزون الألف موزعون في كافة انحاء الجزائر ولا يملكون من السلاح سوى اعداد قليلة من بنادق الصيد الايطالية. وهم يتطلعون الى القاهرة ويعرفون الظروف الصعبة ولكنهم يسألون: هل الثورة في مصر على استعداد لمساندتهم؟ وكانت اجابة القاهرة هي (نعم).. ومعها بدأت قصة طويلة روى فتحي الديب بعض فصولها في كتابه المهم عن ثورة الجزائر، وذكرني لقاؤنا بفصول اخرى لا أعرف لماذا لا يتم تسليط الأضواء عليها، ولماذا لا تتحول اجزاء منها الى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية ستكون بالقطع أفضل من فيلم (اللمبي) وأقل تكلفة من برامج تنفق عليها بعض المحطات الفضائية العربية الملايين ونكتشف في النهاية أن كل هدفها هو اثبات اننا أمة خلقت للارهاب وبالتالي فهي تستحق عقاب أميركا وسفالة اسرائيل! ويروي فتحي الديب قصة أول شحنة من السلاح يتم تهريبها الى الجزائر، وكيف تم البحث عن احدى السفن التجارية لنقل الشحنة. وكان قبطان السفينة هو (ميلان باتشش) اليوغسلافي الجنسية. وكان المطلوب نقل الشحنة من غرب الاسكندرية الى (الناضور) على الساحل المغربي، وكانت السفينة هي اليخت (دنيا) الذي كانت تمتلكه ملكة الأردن السابقة دينا عبدالحميد وتؤجره لأحد الوكلاء بمبلغ شهري ليقوم برحلات ترفيهية للأثرياء. ولم تكن الملكة السابقة تعرف شيئا عن طبيعة مهمة اليخت السرية. وسافر اليخت في المهمة التاريخية من منطقة برج العرب بالاسكندرية، وكان على اليخت سبعة من الجزائريين الذين أتموا تدريبهم في مصر وهم: عرفاوي محمد صالح ـ حجاري علي ـ أبوخروبه محمد (الرئيس بومدين فيما بعد) - عبدالعزيز شري ـ عبدالرحمن محمد ـ حسين محمد ـ شنوت أحمد. وأبحر اليخت في صباح 27 مارس 1955، ووصل الى المنطقة المحددة ولكنه اصطدم بالمنطقة الصخرية هناك بعد تفريغ الشحنة، وفي الصباح فوجئ حرس السواحل الاسبان باليخت في المنطقة التي كانت تحت السيطرة الاسبانية، وعثروا على بعض قطع السلاح على الساحل، ولكن الأمر تمت تسويته وتدخلت الملكة السابقة دينا ـ بعد ان علمت بالموضوع ـ لدى السلطات الاسبانية للافراج عن اليخت. أما القبطان اليوغسلافي فقد ظل يعمل مع الثورة الجزائرية حتى استشهاده. وفيما بعد تزوجت ابنته من أحد الثوار الجزائريين الذي أصبح بعد ذلك أحد الدبلوماسيين اللامعين عالميا وهو الأخضر الابراهيمي. قصة كفاح وتتدفق الذكريات ويشدد فتحي الديب على صعوبة الطريق الذي اجتازته الثورة الجزائرية والتضحيات التي قدمتها فمنذ اللحظة الأولى واجهت الثورة كل صور التآمر.. في الداخل سعت جماعة مصالي الحاج للتشكيك في جدوى الكفاح المسلح، وعندما فشلت سعت الى استيعابها والسيطرة عليها. ومن جانب اخر حاول الاستعمار الفرنسي تطويق الثورة بتقديم بعض التنازلات لتهدئة الموقف مع تونس والمغرب حتى تتفرغ القوات الفرنسية لثورة الجزائر. ومن جانب ثالث قررت فرنسا ضرب القلب في مصر ـ وشاركت في العدوان الثلاثي عليها على 1956. ولكن كل هذه المؤامرات فشلت، وانتصرت الثورة في الجزائر، وانتصرت معها ارادة التحرر العربية. وأعود الى التساؤل المرير: لماذا لم يتكرر الأمر مع الثورة الفلسطينية؟ ويجيب رجل المهام الصعبة بكل خبرته: ـ بداية لابد من التسليم أن التجربة تتباين في كلا الثورتين.. في طبيعة الأرض، وظروف الحركة الوطنية، ورسوخ الثورة على أرضها. صحيح ان فرنسا احتلت الجزائر على انها امتداد للاراضي الفرنسية ولا يفصلها سوى البحر المتوسط. وجاء المستعمرون الفرنسيون ليستوطنوا الى الأبد، ومع ذلك فقد كان الاستعمار الفرنسي جزءا من الظاهرة بشكلها القديم في مرحلة أفول الاستعمار التقليدي. أما فلسطين فقد جاءها اليهود من الغرب مسلحين بأحدث ابتكارات الغرب وأساليبه، ومسلحين أيضا بادعاءات لكي يستولوا على أرض الرسالات ويشكلوا التحدي الأعظم للعرب في العصر الحديث. كان الاستعمار استيطانيا في الحالتين، ولكن الظروف اختلفت.. ظروف المستعمرين وظروف الثوار العرب في الجزائر ثم في فلسطين. في الجزائر نجحت الثورة الجزائرية في الاستمرار فوق ارضها منذ قيامها وحتى انتصارها، أما الثورة الفلسطينية فقد خرجت أو اخرجت من أرضها بل ومن دول الطوق في تتابع مآساوي. وفي الجزائر حافظت الثورة على وحدة حركاتها، ولقد رويت في كتابي (عبدالناصر وثورة الجزائر) تفاصيل خلافات حادة وصراعات رهيبة، لكن الثورة نجحت في توظيف كافة الاطراف في خدمة حركتها، فضمت في صفوفها فرحات عباس الذي تولى رئاسة الحكومة المؤقتة رغم انه كان عضوا في الجمعية الوطنية الفرنسية، ورغم انه القائل: سألت الموتى في القبور هل توجد دولة تسمى الجزائر، فقالوا كانت هناك امبراطورية عربية في الزمان الغابر كما كانت هناك امبراطورية رومانية يوما. وضمت الثورة تحت عباءتها محمد حربي اليساري، وغيره من الاتجاهات الليبرالية أو القومية، وانتظم الجميع في حركة واحدة وتنظيم واحد لا يجرؤ أحد من أطرافه على الخروج عن ميثاق وبرامج جبهة التحرير الجزائرية. أما على الساحة الفلسطينية ـ يضيف فتحي الديب ـ فقد تعددت التنظيمات ولم تنصهر في بوتقة واحدة، وسعى كل نظام عربي لاقامة تنظيمه الخاص تحت ذرائع الخلافات الايديولوجية أوالحفاظ على الأصول التنظيمية. فأصبحت هناك تنظيمات للسوريين والعراقيين والليبيين واخرى على استعداد للعمل تحت أي علم اذ وفر لها الدعم السياسي والمالي! ومن ناحية أخرى فقد أعطى العرب ـ شعوبا وحكومات ـ جبهة التحرير الجزائرية حق الاجتهاد السياسي وانكروا ذلك على منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تستطع امتلاك هامش واسع للحركة والمناورة بحكم الظروف التي مرت بها، ويكفي هنا أن نذكر انها في أيامها الأولى واجهت معضلة مكان اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني وكان هناك اقتراح بأن يتم على ظهر باخرة في عرض البحر! الظروف الذاتية والموضوعية ويوجز فتحي الديب التجربة قائلا: لقد أدركت الثورة الجزائرية منذ اللحظة الأولى ان الثورة هي مزيج بين الكفاح المسلح والصراع السياسي، وان نتيجة الصراع ستتقرر فوق أرض المعركة، وأن خضوعها لمراكز القوى الدولية سوف يفقدها أهم امكانياتها، كما أدركت ان للاستعمار أذنابا في الداخل وقررت أن تقاتلهم كما تقاتل جيوش الاحتلال الفرنسي، وكان المبدأ الذي التزمت به الثورة هو (تحرك منفردا وقاتل متحدا) مع حفاظ شديد على سرية التنظيمات وأشخاص القادة. ويمضي رجل المهام الصعبة في حديثه: للأسف فإن الثورة الفلسطينية لم يتوفر لها الكثير من هذه العوامل، فقد كبلتها أطراف عربية وأوضاع داخلية مما وضع قيودا على حركتها واستنزف الكثير من قوتها، رغم ان تعقيدات القضية الفلسطينية كانت تستلزم بالضرورة تعدد الاجتهادات وحرية الحركة مع الالتزام الحديدي بالوحدة التنظيمية في مواجهة عدو شرس وموازين قوى مختلة وظروف دولية بالغة التعقيد. وأحاول استعادة الرجل من مناخ الاحباط الذي يحيط بالعالم العربي اليوم، واسأله ان يلقي نظرة الى بعيد، وان يحاول تقييم التجربة التي عاصرها حين تعانقت ثورة مصر مع ثورة الجزائر. ويقول فتحي الديب: كانت تجربة عظيمة. بالطبع كانت هناك اخطاء وسلبيات وكانت هناك أزمات يعود معظمها الى أن تلك العلاقات ـ في ظل حرب التحرير ـ كانت تقتضي الكتمان، وكان يبرز فيها عمل اجهزة المخابرات على حساب السياسيين والمثقفين. ولكن الأساس كان صحيحا والنتائج ـ في النهاية ـ كانت اضافة للأمة العربية. لقد كان تحرير الجزائر ـ كما هو تحرير فلسطين ـ جزءا من المسئولية العربية والأمن العربي. وعندما دعمت القاهرة ثورة الجزائر كانت تنطلق من هذه المسئولية. ويستعيد فتحي الديب ذكريات حزينة في يونيو 1967: لقد كنت في الجزائر وكان الرئيس بومدين يجتمع يوميا بقادة الجيش.. يتابع القتال ويبحث ما الذي تستطيع ان تقدمه الجزائر لشقيقتها مصر، وعندما إتضحت أخبار مايدور على الجبهة انتزع خصلة من شعره وهو يكاد ينفجر من الغضب والحزن. وفي 1973 سافر هواري بومدين الى موسكو وقام بتسديد ثمن صفقة اسلحة عاجلة لمصر، بينما كانت دماء المصريين والجزائريين تختلط على أرض الجبهة المصرية كما اختلطت من قبل على ارض الجزائر. جلال عارف ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |