الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 من طرائف ما ورد في احدى المجلات النسائية المتخصصة في المملكة المتحدة رسالة بعثت بها احدى السيدات الى المجلة تسأل القراء مساعدتها في الوصول الى دار للمسنين لاستئجار جدة او جد لطفلها الوحيد. وقد اوردت طلبها المذكور بشرح لأوضاعها الاسرية حيث انها تعاني من فقد ابويها منذ فترة طويلة، كما انها ليس لها اخ او اخت يمكن ان يشكل وجوده فرصة لمنح ابنها الشعور بالدفء الاسري، والاستمتاع بالحياة في ظلال الاسرة الام، وهو ما ضاعف من احساسها بان ابنها اصبح وحيداً طالما انه لا اقارب له من قبل امه ولا من قبل ابيه الذي ليس حاله بأفضل من حال زوجته في هذا الجانب. واللافت في هذا الخبر هو تمتع ام الطفل بعاطفة ذكية، وبنظرة بعيدة جديرة بالتقدير إزاء اهمية وجود الارحام في حياة الطفل، ودورهم الايجابي في تغذية مشاعر الانتماء الى العائلة الام مما يؤدي الى صقل شخصية الابن، وتحسين نظرته الى نفسه، والى من حوله من الاهل والاقارب. كما ان الاحتكاك المكثف يمنحه فرصة الاستماع الى تجارب ذويه، والاصغاء الى آرائهم، والتعرف على اتجاهاتهم في مرحلة تالية، وهي امور تساهم في تطور اهتماماته، وفي تهيئته لاستقبال العالم الخارجي والتفاعل معه من خلال الخبرة المتراكمة التي قدمها له ذووه وأعانوه على امتلاكها. ومن الجدير بالذكر التأكيد على ان هذه الاشارة التي تحملها رسالة هذه الاسرة لا تمثل حالة استثنائية من بين ملايين البشر، انما تمثل حاجة فعلية لدى كل اب وام يدركان طبيعة الدور الفعال الذي يجسده بقية افراد العائلة في حياة الجيل الجديد، والقادر على اشباع حاجات الابناء الفطرية الى الانتماء الى مجتمع اسري اكبر في مساحته، وعدد افراده من حجم اسرتهم الصغيرة التي تحيط بأحدهم احاطة السوار بالمعصم. ومن اجل ان تتكون ذخيرة من الذكريات الجميلة في اذهان الصغار على الابوين ان لا يدخرا وسعا في تدعيم الرابطة الاسرية، وتوثيق عراها على نحوٍ يؤسس لنجاحها، ويهييء لها اسباب البقاء والدوام. ومن المحزن ان نرى بعض الاسر الناشئة تضرب عرض الحائط بهذه المسلمات، وتتقوقع على نفسها مؤثرة اضعاف الصلة بعائلة احد الزوجين والانكفاء على الذات دون ان تحسب ادنى حساب للاثار الناتجة عن هذا الجفاء والهجر. وقد تتطور «العزلة النفسية» الى حالة من «الخصومة العلنية» التي يعبر عنها بطقوس ولغة لفظية مسموعة تكشف المستور من المشاعر المتأزمة، وتلقي بها على مسامع الجيل الجديد، الذي كان يتمنى افراده لو سارت الامور على غير هذه الوتيرة المحزنة، ومضت في اتجاه الصلح، خاصة اذا كان بعض الابناء او جميعهم يحملون مشاعر الحب والمودة ازاء الشق الثاني من عائلتهم الكبيرة التي تتعرض لهجوم حاد من قبل احد الابوين. الامر الذي سوف يثير حالة من التداخل في المشاعر والاحساس بالصدمة نتيجة هذه المواقف السلبية في حق الاقارب والأرحام. والسؤال الذي يفرض نفسه، هل فكر من يقوم بهذه الهجمة اللفظية الشرسة ضد جزء حيوي من اجزاء الاسرة بعواقب واثار ما يقوم به على معنويات الابناء؟ وهل تصور هؤلاء الذين يحطمون الاسوار، وينتقصون اقارب ابنائهم معنى ان تهتز صورة بعض افراد الاسرة في اذهان الناشئة؟ وهل وقفوا على طبيعة الانعكاسات الاجتماعية، والدلالات النفسية لمغزى «تحطيم المثل الاسري» في وجدان الجيل الجديد؟ وهل التفت من يباشر التجريح اللفظي ضد بعض الاقارب الى عاقبة تدمير العاطفة الفطرية في نفوس الابناء نحو ذويهم وارحامهم؟!! ان من يعطي لنفسه الحق ان ينفس عن مشاعره المكبوتة بمثل هذه الطريقة البدائية هو انسان غير متوازن ويفتقد ابسط مقومات الدور المفصلي الذي يجسده في حياة ابنائه. كما ان ميثاق الشرف العائلي يرفض الاستفزاز واللغة الانفعالية والتصرفات الساذجة، وهو اكبر شأنا من ان يلغى نتيجة ردة فعل مبنية على حسابات طارئة وخاطئة، وتقصر عن ادراك الوظيفة الكبرى لوجود العائلة الممتدة في حياة الصغار. ومن المؤكد انه يوم يكبر الابناء فسوف يكون رد الفعل قاسيا تجاه من مارسوا لعب الادوار التفريقية في حق اطفالهم، فالقسوة تولد القسوة، والجفاء سوف يصطحب معه المزيد من القفز فوق المسئوليات والواجبات الاخلاقية وحينها سيكون اول من يلعق الندم اولئك الذين اصطادوا في المياه العكرة. ومن اعتقد انه إذا زرع الشوك فسوف يجني عنبا فهو احمق لا محالة.. ودروس الزمان مازالت تأتي بالعبر!! الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |