الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 بعد ثلاث سنوات على زيارة سابقة، وجدت حياة أنيقة تدبّ على الساحل الأردني للبحر الميت داخل منتجع مُترف بوسائل الابتهاج، تشمل بنية سياحية متماسكة على بقعة مائية استثنائية عليها قدود ترفّلُ أو تسبح في نعماء. المنتجع مزود بمرافق خدمات مكرسة لإرضاء الباحثات والباحثين عن الربيع الطويل الأمد. الاستمتاع بتلك المرافق يتطلب حجزاً مبكراً نظراً للتدافع الرشيق عليها. البحر الميت منطقة استثنائية، إذ لا شبيه لها على وجه البسيطة بالمعايير الجيولوجية والميثولوجية، وتكتسب حيوية من المنظور الجيبوليتيكي كذلك. فالبحر الميت أخفض بقعة، إذ هو على 400 متر تحت سطح البحر، كما هو بركة مائية تُعد ملوحتها الأكثر في عالم البحار، فهو منغلق في منخفض مساحته 41 كيلومتراً مربعاً، ويحتوي اللتر الواحد من مائه على 300 جرام ملوحة مقابل 35 في البحار الأخرى. لا يزال البحر الميت مثار جدل ميثولوجي عما إذا كان هو بالفعل مخسف قوم لوط من سكان سدوم وعموره الذين ارتكبوا من الفاحشة ما لم يسبقهم إليها أحد من الغابرين. فوفقاً لما تواطأت عليه كتب التفسير والتاريخ فإن البحر الميت ليس غير تلك المنطقة التي قال الله تعالى «جعلنا عاليها سافلها». وثمة حجر في هيئة امرأة تطل من علٍ على المنطقة يعتبرها المُرشدون السياحيون امرأة لوط. وفي ضوء هذه الرؤية يصبح البحر الميت بحيرة منتنة خبيثة باعتباره مسرح قرية سدوم قبل قلبها وقذفها بالحجارة، وكانت سدوم أكثر البلدان إثماً في منظور الكتب السماوية. وجاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الدخول إلى منطقة أولئك المعذبين إلا أن يكون المرء باكياً «حتى لا يصيبكم ما أصابهم». بعض غُلاة السلفيين يرفض تناول الملح المستخرج من البحر الميت باعتباره منطقة غير مباركة. لكن الأردنيين يراهنون على إحياء البحر الميت ولا يستند الرهان إلى ضرورة بيئية فقط وإنما يذهب حد اعتبار البقعة ذاتها مصدر ثراء عريض. فإلى جانب اعتباره بؤرة جذب سياحي يرى رجال أعمال مسنودون برؤية رسمية أن مستحضرات التجميل المستخلصة من طين البحر تشكّل مادة سلعية موازية للنفط من حيث الترويج والعائدات، بل إن بعضهم يرى فيها نفط الأردن الفعلي. الشركات الأردنية النشطة في هذه الصناعة أثبتت قدرات فائقة على منتجات رفيعة المستوى غزت أسواق 60 دولة في أنحاء العالم وهو إنجاز لم تحققه أية سلعة عربية أخرى باستثناء النفط حسب تعبير رجل أعمال أردني. عائدات هذه الصناعة تقدر بنحو 20 مليون دولار سنوياً، تبلغ نسبة المبيعات منها في الأسواق العربية ما يوازي 5% وهي منحصرة في دول الخليج. الأردنيون محتقنون بالغضب حد الاشتعال تجاه المصريين، إذ يجأرون بالشكوى من أن مصر ترفض منذ سنين فتح أسواقها أمام منتجاتهم من «كريمات» البحر الميت. أحدهم حدثني منفعلاً غاضباً، فقلت له في نبرة موازية ومضادة من الهزر: «ربما كانت الحكومة المصرية لا تود استيراد خلاصات طين البحر الميت باعتبارها بقعة غير مباركة». عندما طلبت منه امعاناً في محاولة إطفاء غضبه طرح فرضية مضادة يبرر بها الممانعة المصرية رفض بدوره تجاوز حالة الرفض المصري إلى التبرير. في العام 1947 ظهر داخل الأروقة المسيحية واليهودية ما بات يُعرف بلفائف البحر الميت التي أثارت جدلاً عارماً في علم الدراسات الإنجيلية، وفتحت جبهة مجادلات سياسية ساخنة ذات طابع ديني وهددت بإحداث ثورة في النصوص المقدسة، فما عاد جدل البحر الميت الميثولوجي وقفاً على كتب التفسير الإسلامي وحدها. في سياق حماس الأردنيين لإحياء البحر الميت طرحوا على الطاولات السياسية ما بات يُعرف بقناة البحرين، وهي مشروع يستهدف ضخّ مياه البحر الأحمر إلى الميت لتفادي مصير الاختناق الذي يهدده، ويسعى الأردن عبر هذا المشروع إلى تحقيق أكثر من غاية. فبالإضافة إلى إحياء البحر الميت، توفر القناة مصدراً أردنياً لتحلية المياه، وهذه أزمة أردنية مزمنة، وتوسع أفقه السياحي، وتحلّ محل مشروع إسرائيلي يستبدل البحر الأبيض بالأحمر لإحياء البحر الميت. غير أن هذا المشروع الأردني يُثير إرباكاً سياسياً على الصعيد العربي تجاوز رد فعله مستويات الجدل السابقة كلها حول البحر الميت خاصة بعد حماسة إسرائيل للمشروع الأردني. وتصدى الأردنيون للدفاع عن مشروعهم، لكن احداً منهم لم يقُل إن عائدات الكيان الإسرائيلي من مستحضرات التجميل المستخلصة من البحر الميت توازي 70 مليون دولار سنوياً. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |